الإنسان أولاً

 

 

د. سالم بن عبدالله العامري

هناك أشياء يمكن تعويضها مهما بلغت قيمتها، وأشياء أخرى إذا فُقدت لا تعود أبداً. ومن بينها حياة الإنسان. فالمشروعات يمكن تعديلها، والطرق يمكن إعادة تنظيمها، والأنظمة يمكن تطويرها، والتراخيص يمكن مراجعتها وإيقافها، أما الحياة إذا ذهبت فلا سبيل إلى استعادتها.

ومن هذه الحقيقة البسيطة والعميقة في الوقت ذاته، ينبغي أن تنطلق كل سياساتنا وقراراتنا المتعلقة بالمشروعات والطرق والأنشطة والخدمات؛ فالإنسان ليس رقماً في إحصائية، وسلامته ليست بنداً هامشياً في ملف مشروع، وإنما هي الغاية التي يجب أن تسبق كل غاية أخرى.

ومع تكرار الحوادث المميتة خلال الأشهر الأخيرة، سواء على الطرق العامة، وما يرتبط منها بحركة الشاحنات والمركبات الثقيلة، أو في بعض الأنشطة والألعاب والرياضات الترفيهية والمغامرات البرية والبحرية والجوية، فإن الحاجة تبدو أكثر إلحاحاً إلى مراجعة منظومة الأمن والسلامة، ليس من باب رد الفعل على حادث وقع، وإنما من باب الوقاية والاستباق ومنع الخطر قبل وقوعه.

لا أحد يعترض على قضاء الله وقدره، فالموت والحياة بيد الله سبحانه وتعالى، والإيمان بالقدر أصل راسخ لا يتغير. لكن الأخذ بالأسباب مسؤولية لا تسقط، والوقاية واجب، وبذل أقصى ما يمكن لحماية الأرواح هو جزء من هذه المسؤولية. ولذلك فإن وقوع الحادث لا ينبغي أن يكون خاتمة القصة، بل بداية لمراجعة جادة تبحث في أسبابه، وتستفيد من نتائجه، وتمنع تكراره قدر الإمكان.

وفي مقدمة هذه الملفات تأتي الطرق السريعة وحركة الشاحنات الثقيلة، التي تمثل ضرورة اقتصادية وتنموية لا يمكن الاستغناء عنها، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى تنظيم دقيق يوازن بين متطلبات النقل والتجارة وبين سلامة مستخدمي الطريق. ومن هنا تبرز أهمية إعادة النظر بصورة مستمرة في أوقات مرور الشاحنات، خصوصاً خلال ساعات الذروة والإجازات الأسبوعية والمواسم التي تشهد كثافة مرورية مرتفعة، إلى جانب تشديد الرقابة على السرعات والأوزان والحالة الفنية للمركبات والالتزام بالمسارات والاشتراطات المعتمدة.

كما أن الأنشطة الترفيهية والرياضية والمغامرات المختلفة، رغم ما توفره من متعة وفرص سياحية واقتصادية، ينبغي ألا تتوسع على حساب معايير السلامة. فكل نشاط يحمل درجة من المخاطر يجب أن تسبقه منظومة واضحة من الاشتراطات الفنية، والفحص الدوري، والتأهيل والتدريب، وإجراءات الطوارئ، والرقابة الميدانية المستمرة، بحيث لا يكون الترخيص مجرد إجراء إداري، وإنما شهادة بأن متطلبات السلامة قد استوفيت فعلاً.

والأهم من ذلك أن الرقابة لا ينبغي أن تتوقف عند لحظة منح الترخيص؛ فالظروف تتغير، والمعدات تتقادم، والممارسات قد تتبدل، ولذلك فإن التقييم الدوري والمفاجئ، وسرعة التدخل عند ظهور أي خلل، وإيقاف النشاط عند وجود خطر حقيقي، كلها إجراءات لا تقل أهمية عن شروط البداية.

إن السلامة الحقيقية لا تتحقق بكثرة اللوائح وحدها، وإنما بصرامة تطبيقها، واستمرار متابعتها، وربطها بالواقع. كما أن البيانات والإحصاءات المتعلقة بالحوادث ينبغي ألا تبقى مجرد أرقام في التقارير، بل تتحول إلى أدوات لاتخاذ القرار، تكشف المواقع الأكثر خطورة، والأوقات الأكثر ازدحاماً، والأنشطة التي تحتاج إلى تشديد أو إعادة تنظيم، وتساعد المؤسسات على الانتقال من التعامل مع الحوادث بعد وقوعها إلى منع أسبابها قبل أن تتحول إلى خسائر بشرية.

وهنا تبرز مسؤولية مؤسسات الدولة والجهات التنظيمية والرقابية والقطاع الخاص على حد سواء. فكل جهة تمنح ترخيصاً، أو تنفذ مشروعاً، أو تدير طريقاً، أو تشرف على نشاط، تتحمل جانباً من مسؤولية التأكد من أن السلامة ليست مجرد متطلب شكلي، بل ثقافة وممارسة ومنظومة متكاملة.

لقد آن الأوان لأن تصبح سلامة المواطن والمقيم معياراً سابقاً على أي مشروع استراتيجي أو حيوي، عاماً كان أم خاصاً، وأن تكون الأولوية دائماً لتقييم المخاطر قبل التنفيذ، وتشديد الاشتراطات قبل الترخيص، والرقابة أثناء التشغيل، والتقييم المستمر بعد ذلك.

فالسلامة ليست عائقاً أمام التنمية، بل هي أحد وجوه التنمية الرشيدة، وليست عبئاً على الاستثمار، بل ضمان لاستدامته وثقة المجتمع به.

ولعلَّ الرسالة الأهم التي ينبغي أن تترسخ لدى الجميع هي أن الإيمان بالقضاء والقدر لا يتعارض أبداً مع اتخاذ أقصى درجات الحيطة والحذر. نحن لا نملك منع كل حادث، ولا التحكم في كل قدر، لكننا نملك أن نراجع، ونخطط، وننظم، ونراقب، ونشدد، ونتعلم، ونغلق منافذ الخطر قبل أن تتحول إلى مأساة.

فالطريق الآمن أهم من الطريق الأسرع، والمشروع الآمن أهم من المشروع الأكبر، والنشاط الآمن أهم من النشاط الأكثر ربحاً.

وفي نهاية المطاف، لا ينبغي أن يكون أعظم إنجاز لنا أن نقول: أنجزنا المشروع، أو افتتحنا الطريق، أو أطلقنا النشاط؛ بل أن نستطيع أن نقول بثقة: أنجزناه، واستفاد منه الناس، وحافظنا في الوقت ذاته على أغلى ما نملك... حياة الإنسان.

وهذه هي التنمية التي تستحق أن نفتخر بها؛ تنمية لا تخسر الإنسان وهي تبني المستقبل.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z