هل يستطيع عمدة نيويورك اعتقال نتنياهو؟

د. جمالات عبدالرحيم

أصدرت المحكمة الجنائية الدولية (ICC) في 21 نوفمبر 2024 مذكرة اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على خلفية اتهامات تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة، من بينها استخدام التجويع كسلاح حرب والاستهداف المتعمد للمدنيين، وفقًا لما أعلنته المحكمة.

وتنص قواعد المحكمة على أن الدول الأطراف في نظام روما الأساسي ملزمة بالتعاون معها، بما في ذلك تنفيذ أوامر الاعتقال بحق الأشخاص المطلوبين إذا دخلوا أراضيها. إلا أن إسرائيل ليست عضوًا في المحكمة الجنائية الدولية، وقد رفضت اختصاصها واعتبرت قراراتها غير ملزمة.

أما الولايات المتحدة، فهي أيضًا ليست طرفًا في نظام روما الأساسي، وقد أعلنت إدارتا الرئيسين جو بايدن ودونالد ترامب رفضهما قرارات المحكمة المتعلقة بإسرائيل، كما اتخذ الكونغرس الأمريكي مواقف وتشريعات مناهضة للمحكمة وبعض قضاتها.

ومن هنا يبرز التساؤل: لماذا لم تُنفذ مذكرة الاعتقال إذا زار نتنياهو الولايات المتحدة؟

الإجابة، في تقديري، تكمن في أن تنفيذ مثل هذه المذكرات يخضع للقوانين الوطنية والالتزامات الدولية للدول. وبما أن الولايات المتحدة ليست عضوًا في المحكمة الجنائية الدولية، فهي غير ملزمة قانونًا بتنفيذ مذكرات الاعتقال الصادرة عنها.

كما أن صلاحيات عمدة مدينة نيويورك لا تمتد إلى إصدار أو تنفيذ أوامر اعتقال بحق رؤساء أو مسؤولي الدول الأجانب في قضايا دولية، إذ إن مثل هذه الصلاحيات تقع ضمن اختصاص الحكومة الفيدرالية والجهات الأمنية المختصة، بما فيها وزارة الخارجية ووزارة العدل والأجهزة الفيدرالية، وليس سلطات المدينة أو الولاية.

ومن وجهة نظري، فإن النفوذ السياسي والعسكري الذي تتمتع به الولايات المتحدة، والدعم الذي تقدمه لإسرائيل، جعلا تنفيذ مذكرة الاعتقال بحق نتنياهو داخل الأراضي الأمريكية أمرًا بالغ الصعوبة، بل يكاد يكون مستحيلًا في ظل الموقف الرسمي الأمريكي الرافض لقرارات المحكمة.

كما أن القانون الدولي يواجه، في كثير من الأحيان، تحديات كبيرة عند تطبيقه على الدول الكبرى أو حلفائها، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى المساواة في تنفيذ العدالة الدولية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالقضايا ذات الأبعاد السياسية.

وفي المقابل، يرى كثيرون أن الولايات المتحدة تتخذ إجراءات قانونية وسياسية ضد مسؤولين من دول أخرى، بينما ترفض تطبيق المعايير نفسها على حلفائها، وهو ما يعزز الاتهامات بازدواجية المعايير في التعامل مع القانون الدولي.

ومن هذا المنطلق، أرى أن استمرار تجاهل قرارات المحكمة الجنائية الدولية، وعدم تنفيذها بصورة متساوية، يضعف الثقة بمنظومة العدالة الدولية، ويمنح الدول الكبرى هامشًا أوسع لتجاوز القانون الدولي دون مساءلة فعلية.

وفي الختام، فإن احترام القانون الدولي لا ينبغي أن يكون انتقائيًا أو مرتبطًا بموازين القوى السياسية، بل يجب أن يطبق على جميع الدول دون استثناء، لأن العدالة الحقيقية لا تكتمل إلا عندما تتساوى أمامها جميع الأطراف، بعيدًا عن النفوذ والمصالح السياسية.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z