رحيل شاب: ثلاثة دروس مستخلصة

 

 

د. صالح الفهدي

بعد أن فقدنا أحد الشباب اليافعين في أُسرتنا، وبعد إقامة العزاء، خرجتُ مع ابني وابنتي إلى أحد المقاهي، وهناك طلبتُ منهما أن يذكرا الدروس المستخلصة من وفاة الشاب العشريني الذي ذهب ضحية حادث مؤلم هو واثنان من زملائه، رحمهم الله جميعًا. فاستخلصوا دروسًا أردتُ أن أشاركها القراء؛ لما فيها من العبرة والعظة والتفكر في الحياة والمصير.

الدرس الأول:

إن الإنسان لا يرتبط أجله بهرم أو صغر، ولا بشيخوخة أو شباب، ولا بمرض أو عافية، ولا يعلم أحد متى يحين موعد رحيله؛ فقد يسبق الشابُّ الشيخَ، ويغادر الصحيحُ قبل السقيم، ويمضي القويُّ قبل الضعيف، فالأعمار بيد الله وحده، وهو سبحانه القائل: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ "لقمان: 34".

ولهذا كان الواجب على الإنسان أن يكون مستعدًا للقاء ربه في كل حين، فلا يؤجل التوبة، ولا يسوف العمل الصالح، ولا يؤخر ردَّ المظالم إلى أهلها، ولا يبخل بالكلمة الطيبة، أو الصدقة، أو صلة الرحم، أو الإحسان إلى الناس، فإن الفرصة التي بين يديه قد لا تتكرر.

وكثيرًا ما نردد قول الشاعر:

تَزَوَّدْ مِنَ التَّقْوَى فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي

إِذَا جَنَّ لَيْلٌ هَلْ تَعِيشُ إِلَى الْفَجْرِ

فَكَمْ مِنْ فَتًى أَمْسَى وَأَصْبَحَ ضَاحِكًا

وَقَدْ نُسِجَتْ أَكْفَانُهُ وَهُوَ لَا يَدْرِي

وَكَمْ مِنْ صَحِيحٍ مَاتَ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ

وَكَمْ مِنْ سَقِيمٍ عَاشَ حِينًا مِنَ الدَّهْرِ

فَدَاوِمْ عَلَى تَقْوَى الإِلَهِ فَإِنَّهَا

أَمَانٌ مِنَ الأَهْوَالِ فِي مَوْقِفِ الْحَشْرِ

إن الاستعداد للموت لا يعني التشاؤم أو الانصراف عن عمارة الدنيا، بل يعني أن يعيش الإنسان حياة متوازنة؛ يعمل لدنياه بإتقان، ويعمل لآخرته بإخلاص، ويجعل كل يوم يمر عليه صفحة مليئة بما يرضي الله تعالى. فالموفق من إذا جاءه الأجل وجد صحيفته عامرة بالطاعات، وحقوق العباد مؤداة، وآثاره الطيبة باقية بين الناس.

وما أجمل وصية النبي ﷺ: «اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك»؛ فهي دعوة إلى اغتنام النعم قبل زوالها، وإلى أن يكون الإنسان دائم الاستعداد؛ لأن الأجل إذا جاء لا يستأخر ساعة ولا يستقدم.

فالكيِّس من جعل كل يوم يعيشه زادًا ليوم الرحيل، وكل عمل صالح لبنة في بناء آخرته، وكل إحسان إلى الناس صدقة جارية له بعد موته. فإذا انقضت حياته بقي ذكره الحسن، واستمرت أعماله الصالحة، وفاز -بإذن الله- بلقاء ربه وهو عنه راضٍ.

الدرس الثاني:

كان الشاب صاحبَ سمعة طيبة، لا يختلف اثنان على حسن خلقه، ونقاء سريرته، وطيب معشره. عُرف بمحبة الخير للناس، والسعي في قضاء حوائجهم، والتواصل مع الجميع بروح ودودة، ولسان طيب، وقلب رحيم. وكان لطيف الحضور، هادئ الطبع، قريبًا من القلوب، يترك في كل مجلس أثرًا حسنًا، وفي كل لقاء انطباعًا جميلًا.

كما عُرف بالجد والاجتهاد في كل مهنة عمل بها، يؤدي مسؤولياته بإخلاص وأمانة، ويحرص على إتقان عمله، حتى نال احترام من عرفه، وثقة من تعامل معه. فلم يكن نجاحه في عمله قائمًا على المهارة وحدها، بل على منظومة من القيم الرفيعة التي تحلى بها؛ من الصدق، والالتزام، والتواضع، وحسن التعامل.

ولعل أعظم ما يتركه الإنسان بعد رحيله ليس مالًا جمعه، ولا منصبًا تقلده، وإنما السمعة الطيبة التي تبقى حية في ألسنة الناس وقلوبهم. فهي رصيد يُبنى عبر سنوات من حسن الخلق، وصدق المعاملة، والإحسان إلى الخلق، ولا تُشترى بمال، ولا تُنال بمظهر. وإذا رزق الله العبد السمعة الحسنة، فقد منحه نعمة عظيمة؛ لأن القبول في قلوب الناس ثمرة من ثمار الإخلاص والعمل الصالح، وقد قال النبي ﷺ: "إنَّ الله إذا أحب عبدًا نادى جبريل: إني أحب فلانًا فأحببه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض".

وهكذا عاش بين الناس محبوبًا، يُذكر بخير، وتسبق أخلاقه اسمه، فكانت سيرته الطيبة رأس ماله الحقيقي، وأجمل ما تركه في قلوب من عرفوه. فالإنسان قد يرحل بجسده، ولكن تبقى سيرته، فإن كانت حسنة بقي حيًا في الدعوات، وفي الذكريات، وفي الثناء الجميل الذي يتناقله الناس، وذلك من أعظم ما يُورث بعد العمر.

الدرس الثالث:

من أعظم نعم الله على عبده أن يرزقه حسن الخاتمة؛ فهي تاج العمر، وثمرة الإيمان والعمل الصالح. فالإنسان لا يعلم متى يدركه الأجل، ولكنه يرجو أن يلقى الله وهو على طاعة، وأن تكون آخر لحظاته عامرة بذكر الله، أو صلاة، أو عمل صالح.

ومن المواقف التي تبعث في النفس العبرة والرجاء، وتُسري على قلوب أحبته، أن هذا الشاب وزملاءه، قبل وقوع الحادث الذي انتقلوا فيه إلى رحمة الله تعالى، أدوا الصلاة، ثم ركبوا سيارتهم، ومضوا في طريقهم، وكأن الله سبحانه وتعالى أراد أن يختم لهم بطاعة من أجلِّ الطاعات، وهي الوقوف بين يديه. وما أجمل أن تكون آخر الأعمال صلاة خاشعة، أو ذكرًا لله، أو برًا بالوالدين، أو إحسانًا إلى الناس.

إن هذه المواقف تذكرنا جميعًا بأن الموت لا يستأذن أحدًا، وأن خير ما يستعد به الإنسان للقاء ربه هو دوام الطاعة، وعدم التسويف في التوبة، والمحافظة على الفرائض، والإكثار من الأعمال الصالحة. فالخاتمة الحسنة ليست وليدة اللحظة الأخيرة، وإنما هي ثمرة حياة امتلأت بالإيمان، والاستقامة، وحسن الخلق، والإحسان إلى الخلق.

إنها دروس لا شك أنها تستحق التأمل العميق، والوقوف عندها طويلًا؛ فهي ليست موعظة لفئة دون أخرى، بل رسالة لكل إنسان. إنها دروس يحتاج إليها الشاب قبل الشيخ، والصغير قبل الكبير، والمعافى قبل المريض، والغني قبل الفقير، والمنشغل بدنياه قبل من تهيأ للقاء ربه؛ لأن الأجل لا يفرق بين الأعمار، ولا يختار الناس بحسب صحتهم، أو مكانتهم، أو أحلامهم المؤجلة.

فمن تأمل هذه المواقف أدرك أن الحياة أقصر من أن تُقضى في الغفلة، وأن أعظم الخسارة أن يؤجل الإنسان التوبة، أو يؤخر العمل الصالح، أو يظن أن أمامه متسعًا من الزمن. كما يدرك أن حسن الخلق، وطيب السيرة، والمحافظة على الصلاة، والإحسان إلى الناس، هي الزاد الحقيقي الذي يبقى للإنسان بعد رحيله.

إن العاقل هو من يجعل من قصص الراحلين مرآة يراجع فيها نفسه، ويصحح مساره، ويغتنم أيامه قبل أن تصبح ذكرى. فالسعيد من اتعظ بغيره، وأخذ من حياة الآخرين عبرة تعينه على الاستقامة، قبل أن يصبح هو نفسه قصة يرويها الناس، ويتحدثون عن خاتمتها.

 

 

  

الأكثر قراءة

z