د. صالح الفهدي
في الوقت الذي يتسمَّى فيه المسلمون العرب بأسماء عربية كشعب الملايو (إندونيسيا وماليزيا وبروناي وسنغافورة) نجدُ أنَّنا نحنُ العرب نبحثُ عن أسماءَ غريبةٌ وعجيبة!! فأسماء مثل محمد، أحمد، عبدالله، عبدالرحمن، يوسف، إبراهيم، إسماعيل، فاطمة، عائشة، خديجة، مريم، زينب تعتبرُ شائعة جدًا بينهم، بينما تنتشر في باكستان وبنغلاديش أسماءَ مثل: محمد، أحمد، عبدالله، عبدالرحمن، عثمان، علي، حسن، حسين، فاطمة، عائشة، مريم، كما تنتشر في تركيا أسماء مثل: علي، عمر، يوسف، إبراهيم، إسماعيل، فاطمة وغيرها، أما مسلمو أفريقيا (السنغال ومالي والنيجر ونيجيريا والصومال والسودان وتنزانيا وكينيا)؛ فتنتشر أسماء مثل: محمد، عبدالله، إبراهيم، يوسف، عثمان، أحمد، عبدالرحمن، فاطمة، مريم، أما في آسيا الوسطى (أوزبكستان وطاجيكستان وكازاخستان وقيرغيزستان) فتنتشر أسماء مثل: محمد، عبدالله، عمر، عثمان، يوسف، إبراهيم، مريم.
لقد هجرنا هذه الأسماء التي تسمَّى بها آباؤنا وأمهاتنا، فالشعوب المسلمة غير العربية تجد في هذه الأسماء تبرُّكًا وانتسابًا إسلاميُّا، في حين يبحثُ الكثيرون في مجتمعاتنا عن أسماء لافتة لمواليدهم وإن كانت خاوية المعنى!! وتؤكد الدراسات (مثل دراسة ريم الجرف: تبادل الأسماء الشخصية في المجتمعات المسلمة: دراسة في علم الأسماء) أن الأسماء العربية انتقلت بالفعل إلى مجتمعات إسلامية غير عربية عديدة، مع احتفاظها بدلالتها الدينية والثقافية.
ثم نلتفتُ إلى أمرٍ آخر وهو أمر اللغة العربية ففي الوقت الذي يسعى فيه الإسبان من أصول عربية وغيرهم من المسلمين إلى تعلُّم العربية لأنها لغة القرآن، ولأن الإسلام- وهذا أمرٌ في غاية الأهمية- لا يفهم إلا بالعربية، نجد العربيَّ وهو يرطنُ بكلمات أجنبية يتباهى بها، بل ويجدُّ في تعليم أبنائه اللغة الإنجليزية ويتحادث معهم بها مُفاخرًا، فإن سُأل عن جنسيته قال: عربي!، فكيف وقد سلخ جلد العربية من جسده!
إن هويتنا الثقافية واللغوية في مجتمعات العربية المعاصرة تتعرَّضُ لهزات عميقة ومفارقات تثيرُ الدهشة والتساؤل، تأتي أغلبها من أبنائها؛ فحين يقف المتابع أمام مشهد عالمي مذهل يتمثل في مسح الأطراف لغيوم العزلة والتمسك بالأصول، كالتايلندي المسلم الذي يحرص على التَّسمي باسمٍ عربيٍّ أصيل، أو الأسبان الموريسكيين الذين يستعيدون لغة أسلافهم العربية حنينًا للجذور، والمسلمين الجدد في كوريا الجنوبية واليابان الذين يتبرَّكون بالانتماء للثقافة العربية، نجد في المقابل مفارقة مؤلمة ومقلقة في العالم العربي؛ حيث يعمد العربي، الذي وُلِدَ من أب وجد عربي، إلى طمس ملامحه اللغوية والحضارية، فيكتب لافتة محله بالإنجليزية، ويبحث عن أسماء أعجمية غريبة لمولوده، ويُفضل الأجنبية على لغة الضاد في حديثه اليومي!!
وإذا تأمَّلنا هذا السلوك نجده لا يُعدُّ مجرَّد نزوةٍ عابرة، بل هو مؤشر خطير على أزمة هوية واغتراب نفسي يضرب جذور الانتماء في صميمها. وحين نبحثُ في تفسير هذا التخلي الطوعي عن مفردات الهوية نجده في التاريخ وعلم الاجتماع؛ فقد أشار العلامة عبد الرحمن ابن خلدون في مقدمته الشهيرة إلى قاعدة اجتماعية خالدة مفادها أن «المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله». ويمثل هذا الاقتداء الأعمى انعكاسًا لهيمنة ثقافية واقتصادية للغرب، حيث يُسقط الفرد المأزوم حضاريًا شعورًا بالقصور على ذاته، فيلجأ إلى محاكاة لغة وثقافة الطرف المهيمن واهمًا أن ذلك يمنحه قيمةً مضافة.
وفي الوقت الذي يدرك فيه مسلمو إفريقيا وآسيا وأوروبا القيمة الرمزية العميقة للغة والتراث الإسلامي والعربي كراية عزة، يتنصل بعض أبناء العرب من هذه الراية باحثين عن مظاهر زائفة للتحديث والتغريب. وعلى الصعيد النفسي، يوضح علماء النفس والاجتماع، أمثال الدكتور مصطفى سويف، أن إيثار اللغات الأجنبية والأسماء الغريبة بلا حاجة ماسة ينمُّ غالبًا عن مركب نقص سيكولوجي واغتراب داخلي!
يتبرَّك المسلمون الجدد في كوريا الجنوبية واليابان باختيار أسماء عربية أصيلة لأبنائهم تبركًا واعتزازًا، بينما يعمد الكثير من الآباء في بعض المجتمعات العربية اليوم إلى اختيار أسماء غربية أو أعجمية مبهمة لأطفالهم بحثًا عن التميز الشكلاني أو التغريب!
كما أنَّ مسلمو الهوي في الصين ومسلمو التاميل في سريلانكا يحافظون على استخدام الحروف العربية في كتابة لغاتهم المحلية كرمز لهويتهم الدينية، في حين يشهد العالم العربي تراجعًا ملحوظًا في استخدام الفصحى في وسائل التواصل اليومي لصالح اللهجات المحلية الهجينة أو الكلمات الأجنبية الدخيلة.
إنَّ هذا الانزياح عن الهوية الأصيلة جدُّ خطير، فعندما يُعاني الفرد من شعور خفي بالدونية تجاه واقعه المحلي، فإنه يحاول تعويض هذا النقص عبر الهروب إلى رموز مستوردة يظن أنها تمنحه هوية بديلة أكثر بريقًا.
ومن المؤسف أن السواد الأعظم لا يُدرك خطر ما يفعلونه بهويَّتهم من انتهاك غير محسوس، بل ويظنُّونه من قبيل التغيير المحمود، بيدَ أنَّ هذا السلوك يمزق النسيج النفسي للمجتمع، ويخلق حالة من الانفصام بين الفرد وتاريخه، ليصبح غريبًا في لغته ومنزوع الجذر في بيئته، في حين يتغنَّى الغرباء والمسلمون غير العرب بجمال اللسان العربي الذي يتوارى عنه أهله الأصليون الذين لم يعووا تماما أن «لغة الأمة هي حياتها وروحها» كما قال ساطع الحصري، الذي أكد مرارًا أن "اللغة ليست مجرد أداة فونتيكية" بمعنى أن اللغة نظام معرفي وثقافي واجتماعي متكامل، وليست مجرد أصوات مسموعة أو حروف ورموز صوتية (Phonetics) تُخرجها أجهزة النطق البشرية. وهي الحصن الأخير للهوية والوعي الجمعي؛ وبفقدانها وتهميشها في المجالات العامة، تتآكل الذاكرة التاريخية وتتلاشى الخصوصية الثقافية للأمة شيئًا فشيئًا.
إنَّ التفسير المر لعجز العربي عن كتابة لافتة متجره بلغته، هو أنه لا يفرِّط في مجرد حروف، بل يتنازل عن سيادته الرمزية على مكانه، متناسيًا أنَّ الأمم الحيَّة هي التي تحترم لغتها وتجعلها واجهة لحضارتها، على عكس ما تفعله الشعوب التي تستجدي هويتها من واجهات مستوردة.
وقد يحاججُ البعضُ أن الأمر لا يمثِّل ظاهرةً تؤثِّر على الهوية، إنما الحقيقة أن التغيير الثقافي يكون في طبيعته غير محسوسٍ في البدءِ، حتى يطمئنُّ بالتطبيعِ مع المستورد الأجنبي من لغةٍ، وأسماءِ، وسلوكياتٍ، ولباسٍ، وهكذا يتفاقم تدرجيًّا حتى تصبح درجة الانفصام والتغريب حادة.
إننا إن لم ننتبه لهذا الانزياح عن الهوية اليوم فإن سنجدُ أنفسنا أغرابَ هوية، نبحثُ عن لغةٍ نتحدثُ بها لنعبِّر عن مشاعرنا فلا نجد، ونريد التواصل مع بعضنا فيصعبُ علينا ذلك وحينها قد نفكِّر في إنشاء مراكز لغة عربية لنستعيد لغتنا المفقودة! لقد استهجنَّا الحديث بالعربية الفصحى، في حين غارت اللهجات المحلية وطمست الكثير من مفرداتها، واختفت أمثالها، فاستعنَّا بكلمات غريبة مثل "مش" من الدارجة المصرية، و"already" من الإنجليزية وكثير من المفردات الهجينة ونحن غير واعيين بما نرتكبه في حقِّ هويتنا من جرم مشهود!
