مصير التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي

 

 

 

د. صالح الفهدي

قال لي أحد الوزراء: «لقد تخلَّينا عن شرط أن يكون المتقدِّم للوظيفة مبرمجًا؛ فالبرمجة أصبحت جزءًا من عمل الوسائل التقنية». ومع أنَّ هذا التَّخلِّي يبدو واقعيًّا في ظل التحولات المتسارعة التي أحدثها الذكاء الاصطناعي، فإن بعض لجان التوظيف ما تزال تفاجئ المتقدِّمين بطلب تنفيذ بعض المهام البرمجية أثناء المقابلة، وكأنَّ الجالس أمامها جهازٌ آليٌّ ينبغي اختبار قدرته على تنفيذ الأوامر، لا إنسانًا يحتاج إلى استعدادٍ ذهني، وإلى أن يُنظر في طريقة تفكيره، وقدرته على التعلُّم، وفهمه للمشكلة، وحسن تعامله معها.

فإذا كان بإمكان المتعلم أو الموظف اليوم أن يستعين بأدوات الذكاء الاصطناعي في كتابة الشيفرات البرمجية، وتحليل البيانات، وإعداد التقارير، وصياغة الرسائل، وترجمة النصوص، وإنجاز كثير من المهام التي كانت تتطلب سنوات من التدريب، فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح على المترشِّح للوظيفة لم يعد: "هل تستطيع أن تفعل هذا؟ "وحسب وإنما "ماذا تريد أن تفعل؟ وكيف؟ وهل تستطيع أن تحكم على موثوقية ما تنتجه الآلة؟

إن هذا المثال يُشبه اختبار "الكتاب المفتوح" وهو اختبار لا ينصرف أساسًا إلى قياس مقدار ما حفظه الطالب من معلومات، وإنما إلى قياس مقدار ما فهمه منها، وقدرته على توظيفها في الوصول إلى الإجابة.

ففي هذا النوع من الاختبارات يُسمح للطالب بالرجوع إلى الكتاب أو المراجع أثناء الإجابة، لكن السؤال لا تكون إجابته منقولةً حرفيًّا من الكتاب؛ بل يُصاغ بطريقة تدفع الطالب إلى البحث عن المعلومة ذات الصلة، وفهمها، وربطها بالسؤال، ثم توظيفها في بناء إجابته.

هذه المقدمة تقودنا إلى سؤال المقالة: ما مصير التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي؟

لقد بُني جانب كبير من التعليم التقليدي على نقل المعرفة، وحفظ المعلومات؛ لأن الإنسان كان يحتاج إلى سنوات طويلة حتى يحصل على المعرفة التي يحتاج إليها في حياته وعمله، أما اليوم، فقد أصبحت المعرفة أقرب إلى الإنسان من أي وقت مضى؛ يستطيع الطالب أن يسأل أداة ذكية عن مفهوم رياضي، أو نظرية علمية، أو نص أدبي، فيحصل خلال ثوانٍ على شرح يناسب مستواه، بل يستطيع أن يطلب أمثلة وتمارين وتصحيحًا لإجاباته.

فإذا كان الأمر كذلك، فهل يبقى التعليم مطالبًا بأن يلقِّن الطالب الكم نفسه من المعلومات بالطريقة نفسها التي كان يُلقَّن بها قبل ظهور الذكاء الاصطناعي؟

وإذا كان الذكاء الاصطناعي قد استطاع حل مسائل رياضية بالغة التعقيد، والمساعدة في مسائل ظل الإنسان يعالجها أزمنة طويلة، فما جدوى أن يكون هدف التعليم هو تدريب الطالب على الوصول إلى نتيجة تستطيع الآلة الوصول إليها في ثوانٍ؟

لا يعني هذا أن النظريات الرياضية أو القواعد العلمية أو المعرفة الأساسية قد فقدت قيمتها؛ بل إنه من غير المجدي أن نُبقي طريقة التعليم كما هي، في الوقت الذي تغيَّرت فيه طبيعة الأدوات التي يتعامل معها المتعلم.

من هنا، فإن أسلوب التعليم بحاجة إلى أن يتغيَّر، لا لمجرد مواكبة الذكاء الاصطناعي، وإنما لمواكبة الطريقة التي تُنتَج بها المعرفة وتُستثمر في هذا العصر؛ حتى لا يضيع وقت الطالب في حفظ المعلومات وتكديس المحفوظات التي يستطيع الوصول إليها في لحظات.

إن تعليم الطالب كيف يصل إلى المعلومة، وكيف يتحقق من صحتها، وكيف يميّز بين المعلومة والمعرفة، ثم كيف يحوّل ما حصل عليه إلى معرفة عملية قابلة للتطبيق؛ هو الذي يختصر عليه الوقت، ويمنحه قدرةً أكبر على التعلم المستقل، ويجعله مفكرًا ناقدًا لا متلقيًا للمعلومة فحسب.

فالغاية من التعليم لم تعد أن يحمل الطالب أكبر قدر ممكن من المعلومات في ذاكرته، وإنما أن يمتلك الأدوات التي تمكّنه من الوصول إلى المعرفة، وفهمها، ونقدها، وتوظيفها. وهذا هو الفارق بين طالبٍ يعرف الإجابة، وطالبٍ يعرف كيف يصل إليها، وكيف يختبر صحتها، ومتى يستخدمها.

إنَّ تعليم اليوم، إن لم يتَّسم بالمرونة في التغيير ومواكبة المتغيرات، فإنه سيتقادم بالسرعة نفسها التي تتغير بها التقنيات الحديثة؛ فالتعليم الذي لا يتطور مع حاجات الإنسان وأدوات عصره قد يتحول من وسيلة لبناء المستقبل إلى عبءٍ يَشدُّه إلى الماضي.

وقد عبَّر جون ديوي عن جوهر التعليم: "إذا علّمنا طلاب اليوم كما علّمنا طلاب الأمس، فإننا نحرمهم من مستقبلهم"؛ وهي عبارة تختصر الحاجة إلى إعادة النظر في طرائق التعليم كلما تغيرت الحياة من حولنا.

وليس المقصود من مواكبة التغيير أن نتخلى عن كل ما ورثناه من وسائل التعليم، وإنما أن نميّز بين الغاية والوسيلة؛ فالغاية ثابتة، وهي بناء الإنسان وتنمية عقله وشخصيته، أما الوسائل فمتغيرة بحسب ما يتيحه العصر من أدوات، وكما قال عالم الاجتماع الكندي مارشال ماكلوهان: "نحن نصنع أدواتنا، ثم تصنعنا أدواتنا"؛ ومن ثم فإن التقنية ليست مجرد أداة خارج العملية التعليمية، بل أصبحت عاملًا مؤثرًا في طريقة تفكير المتعلم وتحصيله للمعرفة.

ومن هنا، لا ينبغي أن نتعامل مع الوسائل التقليدية في التعليم وكأنها إرثٌ مقدس لا يجوز المساس به، ولا أن ننظر إلى الجديد بوصفه بديلًا يلغي كل ما سبقه؛ بل علينا أن نأخذ من التغيير ما ينمّي المعرفة الإنسانية، ويختصر الوقت والجهد، ويفتح للمتعلم أبوابًا أوسع للوصول إلى المعلومة وتحليلها وتوظيفها؛ فالمعيار الحقيقي لا يتمثَّل في الطريقة إن كانت قديمة أم حديثة، وإنما في الأهداف التي تحقق للمتعلم فهمًا أعمق، وتعلُّمًا أفضل، وقدرةً أكبر على التفكير والتطبيق.

وإذا كانت التقنية تستطيع أن تختصر على الإنسان سنواتٍ في الوصول إلى المعرفة، فإن مهمة التعليم ليست في منعه من استخدامها، وإنما في تعليمه كيف يستخدمها دون أن يتنازل عن عقله لها.

الأكثر قراءة

z