نقل أثر التدريب... الحلقة المفقودة في الاستثمار في رأس المال البشري

 

 

د. سعيد الدرمكي

رغم عدم توافر إحصاءات وطنية دقيقة حول حجم الإنفاق على التدريب في سلطنة عُمان، إلا أن المؤسسات الحكومية والخاصة تستثمر سنويًا ميزانيات كبيرة في تطوير رأس المال البشري، انطلاقًا من إيمانها بأن الاستثمار في الإنسان هو أساس التميز المؤسسي والاستدامة. وعلى المستوى العالمي، يتجاوز الإنفاق المؤسسي على التدريب مئات المليارات من الدولارات سنويًا. ومع ذلك، يبقى السؤال الجوهري: لماذا لا ينعكس هذا الاستثمار، في كثير من الأحيان، على تحسين الأداء، ورفع الإنتاجية، وتعزيز الابتكار داخل المؤسسات؟

ورغم هذا الاستثمار الكبير، لا تزال كثير من المؤسسات تعاني فجوة واضحة بين ما يُنفق على التدريب وما يتحقق من نتائج فعلية في بيئة العمل. فلا يكمن التحدي في حجم الإنفاق، بل في قدرة المؤسسة على تحويل ما يتعلمه الموظفون من معارف ومهارات إلى ممارسات عملية داخل بيئة العمل. فالمعرفة وحدها لا تغيّر الأداء، وإنما التطبيق هو الذي يصنع الفرق، وهنا تكمن الحلقة المفقودة في كثير من استثمارات التدريب.

وتشير الأدبيات العلمية في مجال تنمية الموارد البشرية إلى أن جزءًا كبيرًا من المعارف والمهارات المكتسبة خلال البرامج التدريبية لا يجد طريقه إلى التطبيق العملي إذا غابت المتابعة، والدعم الإداري، وبيئة العمل الداعمة.

ويُعد كلٌّ من نموذج كيركباتريك (Kirkpatrick Model) لتقييم التدريب، ونموذج بالدوين وفورد (Baldwin & Ford Model) لنقل أثر التدريب، من أبرز النماذج العلمية في هذا المجال؛ إذ يركز الأول على قياس فعالية التدريب، بينما يفسر الثاني العوامل التي تسهم في انتقال التعلم إلى بيئة العمل. ومن هذا المنطلق، فإن نجاح التدريب لا يُقاس بمجرد تنفيذ البرنامج، بل بمدى انعكاسه على تحسين الأداء والإنتاجية والابتكار. كما يضيف نموذج جاك فيليبس (Phillips ROI Model) بُعدًا آخر يتمثل في قياس العائد على الاستثمار من خلال ربط نتائج التدريب بالقيمة المضافة التي تحققها المؤسسة.

فالتدريب ليس غاية في حد ذاته، ولا يُقاس بعدد الدورات المنفذة أو ساعات التعلم أو الشهادات الممنوحة، وإنما يُقاس بمدى تحسن الأداء، وارتفاع الإنتاجية، وتعزيز الابتكار، وتحقيق نتائج ملموسة تخدم أهداف المؤسسة.

إن نجاح نقل أثر التدريب يبدأ قبل انعقاد البرنامج التدريبي، ويستمر أثناءه، ولا ينتهي بانتهاء آخر جلسة تدريبية.

وتشير الأدبيات العلمية إلى أن نجاح نقل أثر التدريب لا يقع على عاتق إدارة التدريب وحدها، بل هو مسؤولية مشتركة بين المتدرب، ومديره المباشر، والجهة التدريبية، إذ إن غياب أي طرف من هذه المنظومة يقلل بصورة كبيرة من فرص انتقال التعلم إلى بيئة العمل. ولذلك، فإن من أفضل الممارسات أن تقوم العلاقة على شراكة حقيقية بين هذه الأطراف الثلاثة، بحيث يتحمل كل طرف مسؤوليات واضحة قبل التدريب، وأثناءه، وبعده، بما يضمن تحويل ما يكتسبه المتدرب من معارف ومهارات إلى ممارسات عملية ونتائج مؤسسية ملموسة.

قبل التدريب، تحدد المؤسسة والمدير المباشر الاحتياجات الفعلية، ويُتفق مع الموظف على الأهداف المطلوب تحقيقها بعد انتهاء البرنامج، بما يضمن ارتباط التدريب باحتياجات العمل الفعلية، وليس بمجرد الرغبة في حضور البرامج التدريبية.

أثناء التدريب، ينبغي أن يرتبط المحتوى بالواقع العملي، وأن يشارك المتدرب بفاعلية في الأنشطة والتطبيقات التي تساعده على نقل ما تعلمه إلى بيئة العمل، مع التركيز على الحلول التي يمكن تطبيقها مباشرة بعد العودة إلى العمل.

بعد التدريب، تبدأ المرحلة الأهم، وهي التطبيق والمتابعة وقياس النتائج. ففي هذه المرحلة، يوفر المدير المباشر الدعم والتوجيه وفرص التطبيق والتغذية الراجعة، بينما يلتزم المتدرب بتطبيق ما تعلمه وإثبات أثره في بيئة العمل. ويمكن تعزيز نقل أثر التدريب من خلال ممارسات عملية، مثل تقديم جلسة داخلية، أو إعداد دليل لأفضل الممارسات، أو قيادة مشروع تطبيقي يعكس ما اكتسبه من معارف ومهارات.

ولا يقل دور الثقافة المؤسسية أهمية عن جودة البرنامج التدريبي؛ فالمؤسسات التي تشجع التعلم، وتمنح الموظفين فرصة لتطبيق ما تعلموه، وتتعامل مع التجربة باعتبارها وسيلة للتطوير، تكون أكثر قدرة على تحقيق أثر مستدام للتدريب. أما البيئات التي لا توفر الدعم أو تقاوم التغيير، فإنها تُضعف فرص انتقال أثر التدريب مهما بلغت جودة البرامج التدريبية.

غير أن نجاح التدريب لا ينبغي أن يتوقف عند الشخص الذي حضر البرنامج. فالمؤسسات المتعلمة تحرص على أن تتحول المعرفة الفردية إلى معرفة مؤسسية، من خلال جلسات نقل المعرفة، وملخصات الدروس المستفادة، وورش العمل الداخلية، والمشاريع التطبيقية، لتصبح المعرفة جزءًا من رأس المال الفكري للمؤسسة، يستفيد منها الجميع، ويضيف إليها كل جيل خبراته وتجربته.

وكما أن البذرة الجيدة لا تؤتي ثمارها إلا إذا زُرعت ورُعيت، فإن التدريب لا تكمن قيمته الحقيقية في حضور البرنامج أو الحصول على الشهادة، وإنما في تحويل ما اكتسبه المتدرب من معارف ومهارات إلى ممارسات عملية، ونتائج ملموسة، ومعرفة تنتقل إلى الآخرين، فتسهم في بناء مؤسسة أكثر قدرة على التعلم والتطور.

ولذلك، فإن نقل أثر التدريب لا يتحقق بزيادة ميزانيات التدريب وحدها، بل يحتاج إلى منهجية واضحة، ومؤشرات قياس، ومتابعة مستمرة، وثقافة مؤسسية تؤمن بأن التعلم الحقيقي يبدأ بعد انتهاء البرنامج التدريبي، لا عند نهايته.

كما أن المؤسسات الرائدة لا تكتفي بقياس رضا المتدربين أو عدد ساعات التدريب، بل تسعى إلى قياس العائد على الاستثمار في التدريب من خلال مؤشرات الأداء والإنتاجية والجودة والابتكار، بما يضمن أن كل ريال يُنفق على التدريب يحقق قيمة مضافة للمؤسسة، ويسهم في تحقيق أهدافها الاستراتيجية.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن تطرحه كل مؤسسة على نفسها: هل نقيس نجاح التدريب بعدد البرامج التي ننفذها، أم بالأثر الذي تُحدثه في أداء موظفينا ونتائج أعمالنا؟

إن المؤسسة التي تنجح في نقل أثر التدريب لا تشتري ساعات تدريب، بل تبني قدرات، وتطور أداءً، وتعزز ثقافة التعلم المستدام، وتحول المعرفة إلى نتائج وقيمة مضافة. وعندها فقط يتحول التدريب من بند في الميزانية إلى استثمار استراتيجي يعزز تنافسية المؤسسة، ويضمن استدامة نجاحها.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z