د. محمود البلوشي
المعارضة في السياسة، بلغة بسيطة جدًا، هي الاختلاف مع الحكومة في عدة مجالات، نذكر منها: (السياسية، والاقتصادية، والدينية، والاجتماعية، والثقافية)، مثل: الاختلاف مع الحكومة في التشكيلات الوزارية والبرلمانية، والاختلاف مع الحكومة في الخطط المستقبلية والرؤية المستقبلية للبلد، والاختلاف مع الحكومة في السياسة المتبعة في توظيف أبناء البلد، والاختلاف مع الحكومة في توزيع خيرات البلد على الأفراد.
وللمعارضة أشكال وأوجه عدة، والمعارض قد يكون فردًا، أو جماعة، أو حزبًا، أو كتلة. وهناك بعض الدول المتحضرة تتيح، في تشريعاتها الرسمية، للأحزاب المعارضة ممارسة نشاطها بملء حريتها، في حين أن هناك دولًا أخرى لا تسمح مطلقًا بوجود أي معارضة، سواء كانت حزبًا أو فردًا، وهناك دول أخرى تشرعها بشروط معينة، مثل البعد عن التطرف الديني، والبعد عن الأسر الحاكمة، وتسمح للأفراد فيها بحرية التعبير، ولكن مع وجود ضوابط؛ خوفًا من أن تتحول تلك المعارضة السياسية إلى معارضة مسلحة أو ثورات، مثل: (الثورة الفرنسية التي أطاحت بالملكية، والثورة الأمريكية للاستقلال، والثورة البلشفية التي أسست الاتحاد السوفيتي، والثورة العربية الكبرى، وثورة التحرير الجزائرية، وثورات الربيع العربي)، أو حروب أهلية، مثل: الحرب الأهلية الروسية (1917-1922)، والحرب الأهلية الأمريكية (1861-1865)، والحرب الأهلية في رواندا (1990-1993).
فالمعارض السياسي هو صاحب الرؤية، أو المنتمي إلى تيار معين، يعترض على سياسات السلطة الحاكمة، ويسعى سلميًا لتصحيح المسار أو الوصول إلى الحكم. ويتميز المعارض السياسي بمواصفات عدة، مثل: الالتزام بالسلمية، وامتلاك رؤية وطنية شاملة، وقدرته على الحوار السياسي، وتقديم البدائل والحلول، والتمتع بالشجاعة والمسؤولية، والعمل بشفافية بعيدًا عن الارتهان للخارج. وأيضًا له أهداف محددة ذات صياغة واضحة، دقيقة، وسليمة، مثل: الرقابة، والتقويم، والدفاع عن الحقوق، والتداول السلمي للسلطة.
في الآونة الأخيرة، تشهد العديد من الدول العربية انتشار ظاهرة معينة تتمثل في ظهور مجموعة من الأفراد المعارضين للحكومة، ويصنفون أنفسهم من ضمن المعارضين السياسيين، وهم مغردون خارج السرب لا أكثر، يبحثون عن الشهرة مقابل المتاجرة بالأوطان، ويبحثون لهم عن دائرة أمان، من وجهة نظرهم، بحيث إن الأجهزة الأمنية في الدولة غير قادرة على ملاحقتهم، ويتبنون مجموعة من المواضيع التافهة، أو البعيدة كل البعد عن قضية هامة، وغالبًا ما يتحدثون عن الأفراد والحقوق، ويتهمون السلطة بأنها تنهب خيرات الأفراد، مع عدم وجود أي محتويات أو أدلة أو إثباتات، وتجدهم يتخبطون يمنة ويسرة في الحديث دون محتوى، وأنهم حاليًا خارج البلد، والدولة غير قادرة على الوصول إليهم.
هذا فكر دوني وغير صحيح، والصحيح أن الدولة والحكومة لا تعيره أي اهتمام، ولا تنظر إليه أبدًا، ولا تهتم به نهائيًا، سواء أكان في دائرة الأمان أو غيرها، ولا يشكل جزءًا من أعمالها.
ولكن المشكلة الرئيسة تكمن في الجمهور المتتبع لمثل هذه الشخصيات، والمستمع لها، حيث يمتلك المغردون خارج السرب تأثيرًا عميقًا ومباشرًا على الأفراد المنقادين، عديمي الثقافة، وهم جمهور غفير وكبير، حيث إن حشد القطيع أمرٌ في غاية السهولة والبساطة، ولا يحتاج إلا إلى راعٍ وكلب، كما قال وليم شكسبير، ولكن حشد المثقفين، المتعلمين، الواعين، المدركين لقيمة الوطن والمواطنة، فهو أمر معقد.
فمن الواجب على المغردين والنشطاء المؤثرين في أي قطر أن يعرفوا العالم بوطنهم، وتاريخهم، وثقافتهم الأصيلة، فالوطن غالٍ، والدفاع عنه والتعريف به واجب على أبنائه، ويجب حفظ اللسان عن كل ما يتنافى ويتعارض مع الهوية والثقافة العُمانية، وإننا جميعًا مطالبون بأن نكون على قدر كبير من المسؤولية الوطنية، لتجسيد تطلعات وطموحات الحكومة الرشيدة، والحفاظ على منجزاتها، وعدم الانقياد والاستماع لكل تافه اتخذ منبرًا آمنًا، وبدأ يتحدث عن وطنه وعن سلطانه، فالوطن أمانة بيد كل مواطن.
حفظ الله عُمان، وسلطانها، وشعبها من الفتن.
