عواصم – الوكالات
دخل مسار التصعيد في اليمن مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا، عقب إعلان جماعة أنصار الله (الحوثيين) فرض حظر على الملاحة البحرية السعودية، في خطوة تهدد بتداعيات واسعة على أمن الملاحة والطاقة، وسط تصاعد التوترات الميدانية والتهديدات المتبادلة بين أطراف الصراع.
ويأتي هذا التطور بعد نحو أسبوعين من تصعيد لافت أنهى حالة الهدوء النسبي التي شهدتها الساحة اليمنية لأكثر من أربع سنوات، وأعاد المخاوف من عودة المواجهات العسكرية بين الحكومة اليمنية المدعومة من التحالف العربي وجماعة الحوثي، في حرب مستمرة منذ أكثر من عقد دون حسم نهائي.
ورغم التحذيرات الأممية والدولية من مخاطر انزلاق اليمن إلى جولة جديدة من القتال، فإن مسار الأحداث يشهد تصاعدًا متسارعًا، في ظل تمسك الأطراف المختلفة بمواقفها وشروطها السياسية والعسكرية.
تحركات عسكرية وعودة التهديدات
وبدأ التصعيد الحالي أواخر يونيو الماضي، عندما أعلنت جماعة الحوثي ما وصفته بـ"مرحلة ميدانية جديدة"، مؤكدة استعدادها لإنهاء ما تسميه "الحصار"، ومعلنة حالة استنفار وتحشيد في المناطق الخاضعة لسيطرتها.
وعقب ذلك، شهدت عدد من الجبهات مواجهات مسلحة بين القوات الحكومية والحوثيين، أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من الطرفين، بالتزامن مع تحركات عسكرية وتعزيزات باتجاه خطوط التماس.
وكان من أبرز محطات التصعيد وصول رحلة جوية تابعة لشركة "ماهان" الإيرانية إلى مطار صنعاء في 3 يوليو الجاري، حيث اتهمت الحكومة اليمنية الرحلة بانتهاك السيادة اليمنية، مشيرة إلى أنها حملت أفرادًا عسكريين وأمنيين وخبراء متخصصين في تقنيات الطائرات المسيّرة والصواريخ والأنظمة الإلكترونية.
في المقابل، قال الحوثيون إن الطائرة كانت تقل أكثر من 200 مواطن من العالقين والمرضى والجرحى، إضافة إلى وفد من الجماعة توجه إلى طهران للمشاركة في مراسم تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي.
وأثارت الحادثة موجة جديدة من التهديدات، حيث توعد الحوثيون باستمرار الرحلات بين صنعاء وطهران، واستهداف المطارات والمصالح الحيوية السعودية برًا وبحرًا، بينما قالت الحكومة اليمنية والتحالف العربي إنهما سيتعاملان بحزم مع أي انتهاكات للسيادة أو تهديدات أمنية.
تصعيد حول مطار صنعاء
وتصاعدت حدة التوتر في 13 يوليو الجاري، مع عودة الطائرة الإيرانية مجددًا، حيث أعلنت وزارة الدفاع اليمنية استهداف مدرج مطار صنعاء قبل وصول الرحلة، ما دفع الطائرة لاحقًا إلى الهبوط في مطار الحديدة الخاضع لسيطرة الحوثيين.
واتهم الحوثيون السعودية بالوقوف خلف قصف المطار، وأعلنوا الرد باستهداف مطار أبها السعودي بعدد من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، مؤكدين انتهاء مرحلة خفض التصعيد.
من جانبه، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي على عدم السماح مستقبلًا بدخول أي طائرة أجنبية أو تشغيل أي رحلات جوية إلى الأراضي اليمنية دون موافقة الحكومة والجهات المختصة.
تحركات دبلوماسية لاحتواء الأزمة
وفي ظل تصاعد التوتر، كثفت الأمم المتحدة جهود الوساطة لمنع انزلاق اليمن إلى مواجهة أوسع، حيث وصل المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ إلى سلطنة عُمان في 14 يوليو الجاري، وأجرى مباحثات مع مسؤولين عُمانيين وقيادات حوثية، داعيًا إلى خفض التصعيد والعودة إلى المسار السياسي.
وانتقل غروندبرغ بعد ذلك إلى الرياض، حيث التقى رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني ومسؤولين سعوديين وممثلين عن الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، مؤكدًا أهمية عزل اليمن عن التوترات الإقليمية والحفاظ على فرص التوصل إلى حل سياسي شامل.
كما أعلنت الأردن مبادرة لتسيير رحلات جوية منتظمة بين عمّان وصنعاء، استجابة للاحتياجات الإنسانية ودعمًا لجهود السلام، وهو ما لقي ترحيبًا من السعودية والحكومة اليمنية، بينما رفض الحوثيون المبادرة، مطالبين بفتح مطار صنعاء أمام جميع الوجهات دون قيود.
رسائل تصعيد متبادلة
وفي خضم هذه التطورات، رفع الطرفان من حدة الخطاب السياسي والعسكري، حيث دعا زعيم جماعة الحوثي عبد الملك الحوثي أنصاره إلى الاحتشاد، مشيرًا إلى وجود خطوات مقبلة، في وقت أكدت فيه الحكومة اليمنية جاهزية قواتها للتعامل مع أي تصعيد.
كما أعلنت القوات الجوية اليمنية إعادة تأهيل عدد من الطائرات المقاتلة بعد سنوات من الاعتماد على الدعم الجوي للتحالف العربي، فيما أعلنت القوات البحرية اليمنية إحباط محاولة زوارق مسلحة تابعة للحوثيين الاقتراب من جزيرة زُقَر في البحر الأحمر، ووصفتها بأنها تهديد لأمن الملاحة الدولية.
من البر إلى البحر.. أزمة هرمز وباب المندب
واتسعت رقعة التصعيد مع إعلان الحكومة اليمنية منع طائرة إيرانية من استكمال رحلتها إلى مطار صنعاء بسبب عدم حصولها على التصاريح اللازمة، قبل أن يعلن الحوثيون لاحقًا فرض حظر على الملاحة البحرية السعودية، معتبرين الخطوة جزءًا من معادلة "الحصار بالحصار".
ويرى مراقبون أن هذا التطور يرتبط بالتوترات الإقليمية المتصاعدة، خصوصًا في ظل المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، والتهديدات المتكررة بشأن الممرات البحرية الحيوية في المنطقة، ومنها باب المندب والبحر الأحمر.
ويشير محللون إلى أن الحوثيين أصبحوا جزءًا من المشهد الإقليمي الأوسع، وأن تحركاتهم البحرية قد تؤثر ليس فقط على السعودية، بل على حركة التجارة والطاقة الدولية التي تمر عبر البحر الأحمر.
مخاوف من حرب واسعة
ويرى محللون أن احتمالات عودة المواجهات الواسعة في اليمن ارتفعت خلال الفترة الأخيرة، في ظل تصلب مواقف الأطراف المتصارعة واستمرار تبادل التهديدات.
وتعتقد الحكومة اليمنية أن مطالب الحوثيين تهدف إلى فرض واقع سياسي جديد، بينما يؤكد الحوثيون أن مواقفهم تمثل حقوقًا غير قابلة للتراجع، ما يزيد من صعوبة تحقيق اختراق في جهود السلام.
ورغم إعلان الأمم المتحدة في ديسمبر 2023 التوصل إلى تفاهمات ضمن "خريطة طريق" تضمنت وقف إطلاق النار وتحسين الأوضاع الإنسانية، فإن تنفيذها تعثر بسبب الخلافات والاتهامات المتبادلة بين الأطراف.
ومع استمرار التصعيد العسكري والسياسي، تبدو جهود الوساطة أمام اختبار صعب، في ظل لجوء الأطراف إلى أوراق الضغط الميدانية، وسط مخاوف من أن يتحول التوتر الحالي إلى مواجهة أوسع تعيد اليمن إلى دائرة الحرب المفتوحة.
