محمد أنور البلوشي**
"أنا"... كلمة صغيرة، لكنها ربما تحمل من الأسئلة أكثر مما تحمله آلاف الكتب. وإذا كانت هناك "أنا"، أفلا توجد في المقابل "أنت"؟ وإذا تأملنا قليلًا، أليس في "أنا" شيء من "أنت"، وفي "أنت" شيء من "أنا"؟ فالإنسان لا يعرف نفسه في عزلة، وإنما يكتشفها من خلال الآخر؛ من خلال الحوار، والاختلاف، والمحبة، وحتى الخصومة. ولعل هذه العلاقة بين "الأنا" و"الأنت" هي بداية كل تفكير فلسفي.
يُنسب إلى الفيلسوف اليوناني سقراط قوله الشهير: "اعرف نفسك". لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: من هي هذه "النفس"؟ هل النفس هي الاسم الذي نحمله؟ أم الوظيفة التي نشغلها؟ أم الجنسية التي ننتمي إليها؟ أم القبيلة، أو اللغة، أو الشهادة الجامعية؟ أم أن وراء كل هذه التعريفات حقيقةً أعمق، لا تُقاس بالبطاقات الرسمية ولا بالمناصب الاجتماعية؟
ربما كان الإنسان يعرف كل شيء عن العالم، لكنه يظل يجهل نفسه. وقد يعرف أسماء النجوم والكواكب، ويبرع في الاقتصاد والهندسة والطب، لكنه يعجز عن الإجابة عن سؤال بسيط: من أنا؟ ولماذا أنا هنا؟ وربما لهذا السبب ظل هذا السؤال يرافق الفلاسفة والمتصوفة والأنبياء عبر العصور، لأن رحلة الإنسان الحقيقية تبدأ من داخله قبل أن تبدأ من خارجه.
ولعل القرآن الكريم يلفت انتباهنا إلى هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ (سورة الحشر: 19). إنها آية تستحق التأمل طويلًا. فالله سبحانه وتعالى لا يقول إنهم نسوا أسماءهم أو أنسابهم، وإنما يقول: "فأنساهم أنفسهم". وكأن الإنسان قد يعيش عمره كله وهو يظن أنه يعرف نفسه، بينما هو لا يعرف إلا صورتها الخارجية. أما حقيقتها ورسالتها وغايتها، فلا تُدرك إلا إذا ارتبط القلب بخالقه.
ولهذا اشتهرت عند أهل الحكمة والتصوف عبارة تقول: "من عرف نفسه فقد عرف ربه". ورغم أنها ليست حديثًا نبويًا ثابتًا، فإن معناها يدعو إلى التأمل. فالإنسان كلما أدرك ضعفه، وحدود علمه، وحاجته، ازداد يقينًا بعظمة الله وكماله. ومن يتأمل نفسه يدرك أنه لم يخلق نفسه، وأن قلبه ينبض دون إرادته، وأن أنفاسه ليست بيده، فيقوده ذلك إلى السؤال الأكبر: من الذي أوجدني؟ ومن الذي يدبر هذا الكون؟ وهنا تتحول معرفة النفس إلى طريق يقود إلى معرفة الرب، كما أن الإيمان بالله يعيد الإنسان إلى معرفة نفسه على حقيقتها.
لهذا لم تكن الفلسفة في أصلها حربًا على الدين كما يظن البعض، بل كانت بحثًا عن الحكمة. فكلمة "فلسفة" في أصلها اليوناني تعني "محبة الحكمة". وقد انشغل أفلاطون بالعدل والمدينة الفاضلة، ورأى أرسطو أن العقل هو الوسيلة لفهم الكون، بينما كان سقراط يعتقد أن الحوار الصادق هو الطريق إلى الحقيقة، وأن الاعتراف بالجهل هو أول درجات المعرفة.
وعندما انتقلت الفلسفة إلى الحضارة الإسلامية، لم تكن مجرد ترجمة للكتب اليونانية، بل أصبحت مشروعًا حضاريًا أصيلًا. فكتب الكندي عن العقل والوحي، وسعى الفارابي إلى رسم صورة للمجتمع الفاضل، وربط ابن سينا بين الفلسفة والطب والمنطق، بينما دافع ابن رشد عن قيمة العقل، مؤكدًا أن الحقيقة لا يمكن أن تناقض الحقيقة.
وفي الجانب الروحي، يبرز اسم الحسين بن منصور الحلاج، الذي لم يكن فيلسوفًا بالمعنى الاصطلاحي، بل متصوفًا انشغل بالسؤال عن النفس، والمحبة، والقرب من الله. ومن أشهر ما يُنسب إليه قوله: "رأيتُ ربي بعينِ قلبي، فقلتُ: من أنت؟ قال: أنت".
وهذه العبارة لا تُفهم على ظاهرها الحرفي، وإنما فهمها كثير من الباحثين في سياقها الصوفي على أنها تعبير رمزي عن ذوبان الأنانية، وفناء "الأنا" المتكبرة أمام عظمة الله، لا عن اتحاد الخالق بالمخلوق. ولهذا بقي الحلاج شخصيةً مثيرةً للتأمل والجدل في تاريخ الفكر الإسلامي، إذ رأى في تطهير النفس طريقًا إلى صفاء القلب، وفي محبة الله غايةً للحياة.
وهنا أصل إلى سؤال يؤرقني: لماذا نخاف من تدريس الفلسفة في مدارسنا؟ هل لأن الفلسفة تعلم أبناءنا التمرد؟ أم لأنها تعلمهم التفكير؟ هناك فرق كبير بين التمرد من أجل الهدم، وبين التفكير من أجل الفهم. فالمدرسة ليست مصنعًا لإنتاج عقول متشابهة، بل هي المكان الذي يتعلم فيه الطالب كيف يسأل، وكيف يناقش، وكيف يحلل، وكيف يغيّر رأيه إذا ظهر له دليل أقوى.
إن تدريس الفلسفة لا يعني أن نفرض على الطلاب آراء سقراط أو أفلاطون أو ابن رشد أو الحلاج، بل يعني أن نمنحهم أدوات التفكير النقدي، وأن نعلمهم الفرق بين الرأي والحقيقة، وبين البرهان والادعاء، وبين الحوار والتعصب. إن المجتمعات لا تتقدم بحفظ المعلومات فقط، وإنما بقدرة أبنائها على التفكير، والاستدلال، والابتكار، واحترام الرأي المخالف.
لقد أصبحت الجامعات والمدارس في كثير من الدول المتقدمة تُدرّس التفكير النقدي والمنطق وفلسفة العلوم، لأنها تدرك أن المستقبل لن يكون لمن يحفظ أكثر، بل لمن يفكر أفضل. إننا بحاجة إلى تعليم أبنائنا كيف يفكرون، لا ماذا يفكرون فقط؛ فالعقل الذي يتعلم السؤال، ويحترم الدليل، ويوازن بين العقل والإيمان، هو عقل يصنع الحضارة.
وربما يبقى السؤال الذي بدأنا به هو السؤال الذي سيرافق الإنسان ما دام حيًا: من أنا؟ ولعل الجواب ليس في الاسم، ولا في المهنة، ولا في القبيلة، ولا في المنصب، وإنما في الرحلة المستمرة لاكتشاف الذات، ومعرفة الخالق، وخدمة الإنسان.
فحين يعرف الإنسان نفسه بتواضع، يقترب من معرفة ربه بإيمان، وحين يعرف ربه، يعود إلى نفسه أكثر سلامًا، وأكثر رحمة، وأكثر حكمة. وربما كانت هذه هي الغاية الحقيقية للفلسفة؛ أن تجعل الإنسان أكثر إنسانية، وأن تجعل العقل والقلب يسيران معًا في طريق البحث عن الحقيقة، لا في طريق الصراع بينهما.
**محاضر الاقتصاد بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية
