الفكر السامي وخلية النحل

 

 

د. صالح بن سعيد مسن

لقد كانت التوجيهات السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- منذ اليوم الأول لتوليه مقاليد الحكم واضحة في ترسيخ نهج دولة المؤسسات، وتعزيز ثقافة العمل بروح الفريق، وإزالة الحواجز بين الجهات الحكومية، بما يضمن تكامل الأدوار وتنسيق الجهود، لتعمل جميعها ضمن منظومة وطنية واحدة غايتها خدمة الوطن والمواطن وتحقيق مستهدفات رؤية "عُمان 2040".

ولم يقتصر هذا النهج على ما يصدر من توجيهات، بل جسَّده جلالته، حفظه الله، في العديد من المناسبات، ومن أبرزها أثناء تدشين مشروع مدينة السلطان هيثم، حيث أشاد جلالته، حفظه الله، بمنهجية العمل بروح الفريق الواحد، في رسالة وطنية بالغة الوضوح مفادها أن نجاح المؤسسات لا يتحقق إلا بالتكامل والتنسيق والعمل المشترك، وأن روح الفريق ليست مجرد قيمة إدارية، بل منهج دولة ينبغي أن تلتزم به جميع المؤسسات.

كانت الرسالة السامية واضحة: نريد مؤسسات تعمل كخلية نحل واحدة؛ تتكامل فيها الأدوار، وتتحد فيها الجهود، ويقودها هدف وطني واحد، فتتناغم السياسات، وتتوافق الأولويات، وتتكاتف المؤسسات من أجل تحقيق الغايات الوطنية الكبرى، والوصول بعُمان إلى مصاف الدول المتقدمة.

لكن الواقع في بعض مفاصل العمل الحكومي لا يزال يكشف عن وجود فجوة بين ما تستهدفه التوجيهات السامية من ترسيخ ثقافة العمل المؤسسي، وبين بعض الممارسات التي ما زالت تعكس أنماطًا إدارية تقليدية. ولعل أحد أبرز المعيقات لهذا النهج الإداري المتقدم هو استمرار ثقافة مؤسسية قديمة تعشش في عقول البعض، وهي غير منسجمة مع متطلبات المرحلة، تقوم على ما يمكن تسميته بـ«عقلية العنكبوت»؛ حيث تُنسج شبكات العلاقات والولاءات الشخصية، وتُبنى بعض القرارات، ويتم توزيع المواقع والفرص على اعتبارات فردية أكثر من استنادها إلى معايير الجدارة المؤسسية.

وفي ظل هذه الثقافة، قد تتحول المؤسسة، في نظر البعض، إلى دائرة نفوذ ترتبط بالأشخاص لا بالأنظمة، فتتراجع قيمة العمل المؤسسي أمام الاعتبارات الشخصية، وتُقاس المؤسسات بأشخاصها لا بإنجازاتها. وقد ينعكس ذلك في تضخيم الإنجازات التي تحققها بعض الجهات، وتقديمها على أنها نماذج استثنائية، رغم أن ما تحقق فيها لا يخرج -في بعض الحالات- عن نطاق التحسينات الإدارية أو الإجرائية التي يمكن أن تنجزها فرق عمل في أي مؤسسة. وفي المقابل، يتم التغاضي عن إنجازات مؤسسات أخرى، فلا تحظى بالتقدير الذي يتناسب مع ما حققته من أثر اقتصادي أو تنموي ملموس، فتغيب إنجازاتها عن دائرة التركيز، رغم إسهامها الحقيقي في تحقيق مستهدفات التنمية. ويمتد أثر هذه الثقافة إلى تفاوت مستويات الدعم والتمكين بين المؤسسات، إذ تحظى بعض الجهات بالتسهيلات والموارد اللازمة، بينما تواجه جهات أخرى تحديات في الحصول على الدعم أو التمويل، ليس بسبب ضعف أدائها أو قصور في نتائجها، وإنما لأنها ليست ضمن شبكة العنكبوت.

إن الوفاء الحقيقي للتوجيهات السامية لا يكون بترديد شعار «روح الفريق» في المؤتمرات واللقاءات، بل بتفكيك كل الممارسات التي تُكرس الولاءات الضيقة، وربط الدعم والفرص والتمكين بمعايير الكفاءة والإنجاز والاستحقاق. فالدولة التي يريدها جلالة السلطان، حفظه الله، هي دولة تُدار بالقانون، وترتكز على الحوكمة والشفافية وتكافؤ الفرص.

إن الفارق بين الدول التي تتقدم والدول التي تتباطأ لا يكمن في تفاوت الإمكانات فحسب، بل في الثقافة التي تحكم مؤسساتها: هل تعمل مؤسساتها كخلية النحل أم بعقلية شبكة العنكبوت؟ فخلية النحل تبني أساسًا متينًا، وتنتج بعطاء، وتستمر عبر الزمن؛ لأنها تقوم على التعاون والانضباط وتقاسم الأدوار. أما شبكة العنكبوت، فعلى الرغم من تشابك خيوطها، فإنها تظل أوهن البيوت، لا تصمد أمام أول اختبار، وتهوي بها الريح إلى مكان سحيق.

لقد حان الوقت للتمييز بين خلية النحل التي أرادها جلالة السلطان -حفظه الله- نموذجًا لبناء الوطن، وشبكة العنكبوت التي تنسج خيوطها لبناء شبكة علاقات شخصية. فالأولى تصنع التنمية، وتبني مؤسسات قوية، وتُطلق طاقات الكفاءات الوطنية، أما الثانية فتستهلك التنمية، وتُضعف المؤسسات، وتُنتج مراكز نفوذ خاصة.

وبين هذين النموذجين تتحدد سرعة عُمان في بلوغ مستهدفات رؤية "عُمان 2040"، وفي ترجمة الفكر السامي إلى واقع مؤسسي لبناء دولة المؤسسات.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z