تحذيرات من تحويل الزواج إلى ساحة للمفاضلة بين الجنسيات

مختصون وقانونيون لـ"الرؤية": صراع المظاهر والماديات يهدد استقرار الأسرة ويخدش هويّة المجتمع

 

 

 

◄ الفهدي: مقارنات الزواج عبر منصات التواصل الاجتماعي تخدش هوية المجتمع

◄ الجهوري: الخلل في الإجراءات القانونية للزواج من الأجانب قد يؤدي إلى نزاع لسنوات

◄ المقبالية: الخطاب الذي يحول الزواج إلى مفاضلة بين النساء يترك آثارا مجتمعية عميقة

◄ تيسير الزواج مسؤولية مشتركة بين المجتمع ومؤسسات الدولة

◄ استنكار تحويل الأزواج حياتهم الشخصية إلى محتوى رقمي ينتقص من الآخرين

 

الرؤية- ريم الحامدية

استنكر عددٌ من المختصين والقانونيين تحول أمر الزواج لدى البعض من ميثاق غليظ قائم على المودة والرحمة والخصوصية إلى ساحة للمُقارنات والمباهاة المادية عبر منصات التواصل الاجتماعي، الأمر الذي قد يهدد الهوية المجتمعية ويمس قيمها الراسخة، لافتين إلى أنَّ الاندفاع العاطفي أو المادي عند اتخاذ خطوة الزواج قد يكون له تبعات قانونية وتربوية مُعقدة، بدءا من معضلات التوافق الثقافي ولغة التواصل داخل الأسرة إذا ما قرر الزوج الارتباط بأجنبية، وصولاً إلى حقوق الحضانة والنفقة وإثبات النسب وجنسية الأبناء في حال نشوب الخلافات.

وأضافوا -في تصريحات لـ"الرؤية"- أنَّه في ظل ظهور خطاب رقمي لم يعتد عليه المجتمع العُماني يختزل شريكة الحياة في أرقام وتكاليف، تبرز عدة تحديات مادية ومجتمعية جميعها ينطلق من غياب الوعي بالمسؤوليات الحقيقية لبناء الأسرة، مشددين على أنَّ هذا الأمر يتطلب وقفة مجتمعية جادة ومسؤولة، تعيد صياغة ثقافة الزواج المحلي وتُعلي من قيم التيسير والستر بعيداً عن المظاهر المستنزفة، مع ضرورة تحلّي الأفراد بالوعي الكافي لحماية الكيان الأسري من الانجراف خلف بريق منصات التواصل الاجتماعي.

وأكد المكرم الدكتور صالح الفهدي عضو مجلس الدولة، أنَّ ظهور مقارنات الزواج عبر منصات التواصل الاجتماعي إنَّما يخدشُ هويَّة المجتمع، ويمسُّ بقيمهِ الإِنسانيَّة؛ لأنَّ المسألةَ أبعد في عمقها من أن تقارَن بأرقامٍ وتكاليف، كما تقارن السلع. وأوضح الفهدي أن مقصده بأنَّ الأمر يخدشُ الهوية هو أن مثل هؤلاءِ الذين يقارنون بين الجنسيات في الزواج لا يستحضرون في أذهانهم لا تاريخًا ولا ثقافةً ولا قيمًا ولا عادات ولا تقاليد ولا توافقًا في التربية، بل إن كل ما يهمُّهم هو التكاليف البسيطة التي تُعلي من تفضيلاتهم الشخصية، مشيراً إلى أنهم مع ذلك لا يقتصرون في قناعاتهم على أنفسهم، بل إنهم يسعون للتحريض الاجتماعي، وهذا غير جائز إطلاقًا لأنَّ المجتمع يضمُّ أقرباءهم أيضًا.

د.صالح الفهدي.jpeg
 

وأشار الفهدي إلى أنه من المؤسف أن المجتمع مع التفاتاته للمتغيرات التي تحدث، ومع إدراكه للنتائج التي تمسُّ طبيعة بنائه، وتشكيلة هويته، إلَّا أنه في المُقابل لم يقف وقفةً جادة لتغيير المسار الذي تسير عليه عادات الزواج بما تشمله من مهورٍ عاليةٍ، واشتراطات مُعقَّدةٍ، والتزاماتٍ ثقيلةٍ، تضع الشاب تحت وطأة الديون، فتنغِّص الحياة الزوجية، بل وتدفع ببعض الزيجات إلى الطلاق لعدم القدرة على الاستمرار في ظلِّ ضعف القدرة على الإنفاق المريح على التزامات الأُسرة. ونوّه إلى إطلاقه نداءات متكررة بأهمية التفاتة المجتمع إلى التكيُّف مع الظروف الاقتصادية والاجتماعية ولكن لا مجيب من المجتمع، مشدداً على أن مسألة الزواج إنما ترتبط بأمور أهمها قضية التوافق الثقافي الذي منشأهُ المجتمع الواحد، وقد شهدت المحاكم الكثير من حالات الطلاق من زوجاتٍ أجنبيات بسبب عدم التوافق الثقافي كأحد أهم أسبابه.

واستكمالاً للحلول والمسؤولية المشتركة، أشار الفهدي إلى أن على المجتمع بجميع أفراده ومؤسساته أن يقوم بدورٍ فاعلٍ ومؤثِّر؛ قاصداً بالأفراد علماء الدين، والمحدِّثين، والمصلحين الاجتماعيين، والرشداء، والمفكرين، والأدباء، والكتَّاب، والإعلاميين، وكل من يملك القدرة على التأثير بأن يسهم في إحداث تغيير العادة الاجتماعية للزواج، بدءاً من تحديد المهور، مروراً بمناسبات عقد القران، وانتهاءً إلى الزواج وطقوسه، وهي تفاصيل يجب أن تتخلَّى عن مظاهر التباهي والمقارنات، وأن تحلَّ محلَّها قناعات قائمة على قيم دينية مرجعها الدين، ثم قيم ذات رصانة تهدف إلى استدامة العشرة الزوجية، وتماسك البيوت، وحفظها من الانهيار. وأضاف أنَّ هذه الثقافة يجب أن تسهم فيها مؤسسات دينية وتعليمية واجتماعية وإعلامية، وأن تكون رؤيتها واضحة، وشعاراتها فاعلة، ورسالاتها ذات مغزى ودلالة لا تقتصرُ على الفرد وإنما تتخطاه إلى الوجود المصيري للمجتمع بأسره في قادم السنوات.

وفي ختام رؤيته، وجّه الفهدي رسالةً عامة لم يقصرها على الشباب العُماني بل عممها على الجميع؛ داعياً الآباءِ والأمهات، وبنات المجتمع قبل شبابه لأن يقدِّموا أروع الأمثلة للمجتمع في تغيير العادات الشائعة عن الزواج والمستنزفة للتكاليف الباهظة، وأن يتركوا المقارنات ويسعوا إلى إقامة البيوت بأقلِّ التكاليف حتى تنعم الزيجات بالاستقرار. كما طالب المؤسسات المعنية بأن تقر القوانين والتشريعات التي تمنع ارتفاع تكاليف الزواج درءاً للفتنة، وحفظًا للعفة والستر.

أما فيما يخص من يسعى للزواج من الخارج، فقد وجّه الفهدي نصيحة بأن لا يقوم بدور المحرِّضِ على ما أقدم عليه، وأن يحترم مجتمعه وقيم وأخلاقيات الوطن الذي ينتمي إليه، وأن يُراعي مشاعر بنات وطنه من المقارنات الماديَّة الخارجة عن حدود الأدب والأخلاق.

من جانبه، أكد الدكتور أحمد الجهوري المحامي والمستشار القانوني أن المرسوم السلطاني رقم (23/2023) في شأن زواج العُمانيين من أجانب جاء في توقيت مُهم، لأنه عالج جانباً تنظيمياً كان يُثير كثيراً من الإشكالات العملية، سواء أمام الجهات الإدارية أو عند نظر بعض المنازعات القضائية؛ فقبل صدور هذا التنظيم كانت بعض الحالات تواجه صعوبات تتعلق بإثبات الزواج أو استكمال إجراءاته القانونية، وما يترتب على ذلك من آثار تمس حقوق الزوجين والأبناء.

د.أحمد الجهوري.jpeg
 

وأوضح الجهوري أن الإجراءات اليوم أصبحت أكثر وضوحاً، وأصبح هناك إطار قانوني محدد تستند إليه الجهات المختصة عند مباشرة اختصاصاتها، وهو ما انعكس على استقرار المعاملات وتقليل كثير من الإشكالات الإجرائية التي كانت تظهر في السابق. ومع ذلك، يرى أنَّ أهمية المرسوم لا تكمن فقط في تنظيم إجراءات الزواج، وإنما في حماية الآثار القانونية المترتبة عليه، فالمنازعات التي تعرض على المحاكم في هذا النوع من القضايا لا تدور غالباً حول صحة الزواج، وإنما حول الحقوق التي تنشأ بعده، مثل النفقة، والحضانة، وإثبات النسب، وتنفيذ الأحكام الأجنبية، وهي مسائل تتطلب وعياً قانونياً منذ البداية، وليس بعد وقوع الخلاف.

ومن واقع عمله، أشار المستشار القانوني إلى أن كثيراً من المُقبلين على الزواج ينظرون إلى هذا القرار من زاوية اجتماعية أو اقتصادية، بينما يغيب عنهم البعد القانوني الذي لا تقل أهميته عن بقية الجوانب. وبيّن أنه في عدد من القضايا، لم يكن سبب النزاع هو عقد الزواج ذاته، وإنما عدم الإلمام بما يترتب عليه من حقوق والتزامات بعد سنوات من إبرامه، فعندما تظهر الخلافات تبدأ الأسئلة المتعلقة بالحضانة، والنفقة، وإثبات النسب، وجنسية الأبناء، والإقامة، والقانون الواجب التطبيق، وهي أمور كان ينبغي معرفتها قبل اتخاذ قرار الزواج لا بعد نشوء النزاع.

وشدد الجهوري على أنَّ تكاليف الزواج لا ينبغي أن تكون المعيار الوحيد في اتخاذ هذا القرار، لأنَّ أي خلل في الإجراءات القانونية قد يترتب عليه نزاع تستمر آثاره لسنوات، وتكون كلفته المادية والمعنوية أكبر بكثير مما اعتقد الشخص أنه وفره في البداية.

وفي سياق التدابير الوقائية، نصح الجهوري أولاً بعدم الاعتماد على التجارب الشخصية للآخرين أو المعلومات المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لأنَّ لكل حالة ظروفها القانونية الخاصة، وما يصلح لشخص قد لا يصلح لغيره. كما دعا إلى التأكد من استيفاء جميع المتطلبات النظامية قبل إبرام عقد الزواج، ثم توثيق العقد واستكمال إجراءات التصديق والاعتراف به وفق الأنظمة المعمول بها، لكون سلامة الإجراءات منذ البداية تجنب الأسرة كثيراً من الإشكالات مستقبلاً.

وأكد الجهوري أهمية الإحاطة بالآثار القانونية المرتبطة بالأبناء، والجنسية، والإقامة، والحقوق المالية، والحضانة، وعدم ترك هذه المسائل إلى حين وقوع الخلاف. وجدد تأكيده على أن الاستشارة القانونية قبل الزواج ليست إجراءً شكلياً، بل هي وسيلة لحماية الأسرة واستقرارها؛ فدور المحامي لا يبدأ عند رفع الدعوى، وإنما يبدأ قبل ذلك بكثير، من خلال توضيح الآثار القانونية للقرار ومساعدة الأطراف على تجنب أسباب النزاع قبل أن تنشأ.

واختتم رؤيته بالإشارة إلى أنَّ بناء الأسرة لا يقوم على حسن الاختيار وحده، وإنما يقوم كذلك على حسن الإعداد القانوني، لأنَّ الحقوق التي تُنظَّم منذ البداية تكون أكثر استقراراً وأقل عرضة للنزاع مستقبلاً.

بدورها، قالت كلثم المقبالية أخصائية توجيه وإرشاد أسري، إن الخطاب الذي يحوّل الزواج إلى مجرد مقارنة مالية أو مفاضلة بين النساء يترك آثاراً نفسية واجتماعية عميقة؛ فالفتاة عندما تسمع بشكل متكرر أنها "أغلى" أو "أكثر تكلفة" قد تشعر بأنَّ قيمتها الإنسانية اختزلت في أرقام ومصاريف، بينما الأصل أن الزواج يقوم على المودة والرحمة والتوافق، وليس على المقارنات التجارية.

د.كلثم المقبالية.jpeg
 

وأضافت المقبالية أن هذا النوع من المحتوى يخلق حالة من الاحتقان والانقسام داخل المجتمع، ويغذي الأحكام المسبقة بين فئات مختلفة دون أي مبرر، مؤكدةً أنه من المهم الإشارة إلى أننا لا نقلل من شأن أي امرأة مهما كانت جنسيتها، فكل امرأة تستحق الاحترام والتقدير، لكن في المقابل لا يصح أن يكون إبراز تجربة مُعينة مبنياً على التقليل من المرأة العمانية أو استفزازها أو تصويرها وكأنها سبب عزوف الشباب عن الزواج.

ولفتت المقبالية إلى أنه على الأزواج مسؤولية أخلاقية واجتماعية في عدم تحويل حياتهم الزوجية إلى محتوى يقارن أو ينتقص من الآخرين، لأن ما يُنشر قد يُحقق تفاعلاً لحظياً، لكنه قد يترك أثراً سلبياً يمتد إلى المجتمع والأسرة.

ومن واقع عملها وخبرتها في الإرشاد الأسري، أشارت المقبالية إلى أن كل زواج يمكن أن ينجح إذا بني على الوعي والاحترام المتبادل، سواء كان بين زوجين من الثقافة نفسها أو من ثقافتين مختلفتين، ولكن عندما تختلف اللغة والثقافة، تظهر تحديات إضافية تحتاج إلى استعداد أكبر؛ ومن أبرز هذه التحديات اختلاف أساليب التربية والهوية الثقافية للأبناء، ولغة التواصل داخل الأسرة، ومدى اندماج الزوجة في المجتمع، بالإضافة إلى اختلاف العادات الاجتماعية وطريقة التعامل مع المناسبات والعلاقات الأسرية، وهي تحديات قد تُلاحظ بشكل أوضح عند وجود خلافات زوجية، حيث يعود كل طرف إلى مرجعيته الثقافية في تفسير المواقف.

وأوضحت المقبالية أن هذا لا يعني أن الزواج من ثقافة مختلفة محكوم عليه بالفشل، لكنه يحتاج إلى وعي وتخطيط وجهد مضاعف مقارنة بزواج يشترك فيه الزوجان في الخلفية الاجتماعية والثقافية، لذلك فإنَّ قرار الزواج ينبغي أن يكون مبنياً على دراسة شاملة لمسؤوليات الحياة المستقبلية، وليس على الانطباعات أو المقاطع القصيرة المنتشرة في وسائل التواصل.

وفي ظل الصراع الرقمي الحالي بين الاستهلاك المالي الرغبة في الاستقرار، أكدت الأخصائية الأسرية أننا بحاجة إلى إعادة تعريف النجاح في الزواج؛ فالنجاح لا يقاس بحجم الحفل، ولا بعدد المتابعين، ولا بالمقارنات التي تنتشر في وسائل التواصل، وإنما يقاس بقدرة الزوجين على بناء بيت يسوده الاحترام والأمان والاستقرار. وبيّنت أنَّ دور الأسرة اليوم هو أن تربي أبناءها على حسن الاختيار وتحمل المسؤولية، لا على المظاهر والمنافسة الاجتماعية، كما أن على الشباب والفتيات أن يدركوا أن المحتوى الرقمي يعرض لحظات منتقاة، ولا يعكس حقيقة الحياة الزوجية بما فيها من مسؤوليات وتحديات.

وأشارت المقبالية إلى ضرورة التوقف عن تحويل الزواج إلى ساحة للمفاضلة بين الجنسيات أو البيئات المختلفة، لأنَّ هذا لا يخدم أحداً، فلكل مجتمع مزاياه، ولكل أسرة ظروفها، والنجاح الحقيقي يصنعه وعي الزوجين وأخلاقهما، وليس جنسية أحدهما أو تكلفة الزواج، مؤكدة أنه عندما نغرس هذه الثقافة سنبني جيلاً ينظر إلى الزواج على أنه رسالة لبناء أسرة مستقرة وآمنة نفسياً، وليس مشروعاً للمباهاة أو المقارنة.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z