أسماء عوض باقوير
يُلقي بعض الشباب اللوم على غلاء المهور ومصاريف الزواج، ويرون أنها السبب الرئيسي في تأخر زواجهم، إلا أن الواقع يكشف أن القضية لا ترتبط بالمهور وحدها، بل تتداخل معها عوامل أخرى، من أهمها طريقة إدارة الأولويات، والتخطيط المالي، والاستعداد الحقيقي لتحمل مسؤولية الحياة الزوجية.
فليس من الإنصاف أن تُحمَّل المهور وحدها مسؤولية عزوف البعض عن الزواج، في حين أن هناك من ينفق آلاف الريالات على السفر، أو شراء السيارات، أو الدخول في مشاريع وتجارات غير مدروسة تنتهي بخسائر كبيرة، ثم يصبح المهر هو المتهم الأول عند التفكير في تكوين أسرة.
ولا يعني ذلك أن جميع المهور منخفضة، أو أن بعض الأسر لا تبالغ في طلباتها، فالمبالغة موجودة ولا يمكن إنكارها، وهي من الظواهر التي تستحق المعالجة والتوعية. لكن في المقابل، فإن تعميم وصف المهور بأنها السبب الوحيد لتأخر الزواج لا يعكس الواقع بصورة عادلة، لأن المشكلة في كثير من الأحيان تمتد إلى أسلوب إدارة المال، وترتيب الأولويات، ومدى الاستعداد لتحمل مسؤوليات الحياة الزوجية.
ومن جهة أخرى، يتجه بعض الشباب إلى الزواج من الخارج اعتقادًا منهم أن انخفاض المهور هو الحل الأمثل، دون النظر إلى الصورة الكاملة. فالزواج لا يُقاس بقيمة المهر فقط، بل هو مشروع حياة طويل الأمد، تترتب عليه مسؤوليات اجتماعية وأسرية واقتصادية قد تكون أكبر بكثير من قيمة المهر نفسه.
فمن التحديات التي قد تواجه هذا النوع من الزواج تكاليف السفر المتكرر بين البلدين، وزيارات الأهل، واختلاف العادات والتقاليد والثقافات، وربما اللغة أو الدين أو المذهب في بعض الحالات، وهي أمور قد تؤثر في طبيعة الحياة الزوجية وتربية الأبناء. وإذا وقع خلاف بين الزوجين أو انتهى الزواج بالانفصال، فقد تنشأ قضايا أكثر تعقيدًا تتعلق بحضانة الأطفال، أو انتقالهم للعيش في بلد آخر، أو اختلاف البيئات التي سينشؤون فيها، وهي تحديات ينبغي التفكير فيها بجدية قبل الإقدام على الزواج، حتى يكون القرار مبنيًا على وعي وإدراك كامل للمسؤوليات.
وهذا لا يعني أن الزواج من الخارج محكوم عليه بالفشل، فهناك زيجات ناجحة قامت على التفاهم والاحترام وحسن الاختيار، كما أن الزواج من داخل الوطن ليس ضمانًا لنجاح الحياة الزوجية إذا غاب التوافق والوعي وتحمل المسؤولية. لذلك تبقى القضية مرتبطة بحسن الاختيار أكثر من ارتباطها بجنسية الطرف الآخر.
ومع ذلك، يظل الزواج من أبناء الوطن، في كثير من الحالات، أكثر قدرة على تحقيق الاستقرار الأسري والاجتماعي، لما يجمع الزوجين من تقارب في الثقافة والعادات والقيم، وهو ما يخفف كثيرًا من التحديات المستقبلية. أما إذا وُجد توافق فكري وإنساني حقيقي بين طرفين من جنسيات مختلفة، مع احترام ثقافة المجتمع الذي سيعيشان فيه والقدرة على الاندماج فيه، فإن نجاح هذا الزواج يبقى أمرًا ممكنًا.
إن الزواج ليس حلمًا عابرًا، ولا مشروعًا مؤقتًا، بل هو بناء أسرة، وصناعة جيل، واستثمار في مستقبل المجتمع. ولذلك ينبغي أن تُبنى قراراته على الحكمة، والنظرة البعيدة، ودراسة جميع الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، لا أن تُختزل في مقارنة بين قيمة المهر هنا أو هناك.
فاستقرار الأسرة جزء من استقرار المجتمع، وأي قرار يُتخذ دون وعي أو دراسة قد تمتد آثاره إلى ما هو أبعد من الزوجين، لتنعكس على الأبناء والمجتمع بأسره. ومن هنا، فإن هذه القضية تستحق حوارًا مجتمعيًا مسؤولًا، يعالج المبالغة في بعض المهور، ويعزز ثقافة التخطيط وحسن الاختيار، ويشجع على بناء أسر مستقرة تسهم في صناعة جيل قادر على خدمة وطنه. فكل أسرة مستقرة تُسهم في بناء مجتمع متماسك، وكل قرار زواج يُبنى على الوعي وحسن الاختيار هو استثمار حقيقي في مستقبل الوطن.
