الطريق إلى الأمين العام

بقلم / فوزي عمار
سؤال هذا المقال: هل يكون ماكي صال الأمين العام العاشر للأمم المتحدة؟
بينما يعمّ الابتهاج في شوارع داكار، وتتزين العاصمة السنغالية بصور الرئيس الأسبق، ينتقل السؤال من دائرة الحلم الوطني إلى معادلات القوة الباردة في ممرات نيويورك الزجاجية. فالإجابة عن سؤال: "هل يكون ماكي صال الأمين العام العاشر؟" لا تخضع لاندفاع الشارع الأفريقي، بل تُحسم في غرف مغلقة خلف الأبواب الدبلوماسية الخشبية لمجلس الأمن.
المعادلة الأولى هي دور أفريقيا الذي لا يقبل الجدل. يُعد عامل التناوب الإقليمي أقوى أوراق ماكي صال. فبحسب العرف غير المكتوب، حان دور القارة الأفريقية بعد أن شغل البرتغالي غوتيريش المنصب لدورتين، وقبله الآسيويون والأوروبيون. وكان آخر أمين عام أفريقي كوفي عنان من غانا، الذي غادر المنصب في عام 2006، ثم بطرس غالي من مصر قبل ثلاثين عاماً. هذا الفراغ الزمني يمنح ماكي صال حجة سياسية صلبة، خصوصاً أنه يمثل غرب أفريقيا الناطق بالفرنسية، وهي منطقة نادراً ما نالت هذا الشرف.
أيضاً، لعبة الفيتو الثنائي. لكن التحدي الأكبر لا يكمن في التأييد الأفريقي، بل في التوازن الدقيق بين الأعضاء الخمسة الدائمين. هنا يكمن دهاء وحظ ماكي صال، فهو الرجل الذي حافظ على علاقات متوازنة مع الغرب أثناء تربعه على رأس مجموعة الخمس في الساحل لمكافحة الإرهاب، بدعم فرنسي، وفي الوقت ذاته لم يغلق أبوابه أمام موسكو وبكين، بل وقف على مسافة واحدة من الأزمات الدولية. لكن روسيا، التي تتشبث بمرشح من شرق أوروبا، قد تلوّح بحق النقض (الفيتو)، والصين، التي تريد صوتاً مستقلاً، قد تضع شروطها الخاصة. أما الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، فترى فيه حليفاً معتدلاً، لكن دعمها مشروط بمواقفه من ملفات أوكرانيا وغزة.
المعادلة الثالثة هي المنافسون في الظل. ماكي صال ليس وحيداً في هذا المضمار، فهناك مرشحون من آسيا وأمريكا اللاتينية يحاولون كسر قاعدة التناوب، إضافة إلى شخصيات دبلوماسية أفريقية أخرى، كمفوضة الاتحاد الأفريقي السابقة، قد تنشق إليها الأصوات. لكن ما يميز الرئيس السنغالي هو خبرته الفريدة؛ فهو ليس مجرد سياسي، بل وسيط مخضرم قاد حوارات وطنية عسيرة في السنغال وغامبيا، وهو ما يحتاج إليه مقر الأمم المتحدة في زمن الاستقطاب الحاد.
إن الطريق إلى منصب الأمين العام أشبه بتسلق جبل ثلجي بقدم واحدة. حظوظ ماكي صال حقيقية وقوية، لكنها مرهونة بصفقة كبرى في مجلس الأمن قد تتطلب تنازلات سياسية مؤلمة. والأيام المقبلة، وتحديداً جلسات التداول غير الرسمية، هي التي ستكشف ما إذا كانت صوفية المدرسة السنغالية ستتحول إلى احتفاء عالمي، أم ستتحطم على صخرة الفيتو الروسي أو الحياد الصيني.
فهل يكون صال الرجل العاشر؟ الجواب ما زال معلقاً بين إرادة القارة السمراء ومصالح القوى العظمى، ولكن المؤكد أن ماكي صال لم يعد مجرد مرشح، بل أصبح اختباراً حقيقياً لمدى جدية المجتمع الدولي في إصلاح مؤسساته.

الأكثر قراءة

z