ميسي.. ذلك العادي غير العادي!

 

 

معاوية الرواحي

اليوم هو تاريخ 12/7/2026م، التاريخ الذي حبس فيه مشجعو الأرجنتين أنفاسهم في مباراة قاسية نفسيًا على أي مشجع، بدأت رتيبة، مملة، تبدو وكأنها ستحسم بتضييع الوقت، وبالهجمات الباردة، وبكل ما يخيف من تأكيد شكوك المؤامرات، وبكل ما يحاول العالم تبرئة ميسي منه: أنه ضمن شيء مشكوك في أمره، مع إجماع الجميع على أن ميسي ليس لاعبًا خارج الملعب، حتى وإن حاول أحدهم إشراكه في ألاعيب ومؤامرات يحلو لنا أن نضع افتراضات صوابها، بينما أيضًا يجب علينا أن نحافظ على سلامة عقولنا من انطباق السرديات على الواقع؛ السردية مجرد سردية، مقنعة، قابلة للانطباق على الواقع، لكن هل هي حقيقية؟ قطعًا لا!

أعترف لك، عزيزي القارئ، كنت أتابع المباراة بأعصاب هادئة تمامًا؛ هذا يشجع سويسرا، وهذا يشجع الأرجنتين من أجل ميسي، وهذا يشجع ميسي من أجل الأرجنتين. وأنا كنت هناك، مع صديقي الذي يشجع ميسي والأرجنتين في وقت واحد، بأعصاب محروقة ومشدودة. كنت أشجع كرة القدم فقط، جمالها، تبرئتها من الشبهات، كنت أشجع هذه الأسطورة التي يجمع الخصم والصديق على أنها لا تتكرر. كانت مباراة تمنيت لو كان حسمها ميسي، كنت أنتظر شيئًا ما يوقظ ذلك الشعور القديم باحترامي لهذه الأسطورة.

شيء يلفت الانتباه، ذلك الإيمان الهائل من فريق ميسي به. الكنز الحقيقي أن تكون عاديًا، أن تكون ميسي. ليس لاعب تصريحات نارية، ولا لاعبًا ذاتيًا يجعل كل شيء يدور حوله، هذا هو الفارق الهائل بينه وبين الذي كان يقارن به يومًا ما، الدون الذي أعلنت الحياة نهايته بعد أن تسمم بما يكفي، بعد أن اعتمد على اللعب خارج الملعب، في الإعلام، وفي التصريحات. الكرة الأخيرة، ورغم الفوز، ورغم حلاوة أن يسجل هدفًا في كأس العالم، كان يبحث عن مَن؟ كان يبحث عن نجمه الذي يؤمن به إيمانًا غير قابل للشك.

هذه الميزة الهائلة في ميسي، العادي بشكل غير عادي. يبدو مثل الجميع في العالم، هادئًا، بسيطًا، لا يخلو من غرابة أطوار، لكنه قطعًا يخلو من تلك الذاتية المستفزة التي كانت تتعاظم وتتعاظم مع كريستيانو رونالدو كلما اقتربت منه أيام الهلع الكبير: نزول مستواه، أخطاؤه، عدم تمركز العالم حوله، عدم اعتباره مركز الحسم والحلول. لست ضليعًا في كرة القدم لأحكم بكل ما قلته أعلاه، أعتمد على هؤلاء الذين أظن بهم الخبرة.

لا أشجع الأرجنتين بما يكفي لكي أطير فرحًا بهذا الفوز، ولا أشجعها بما يكفي لتحترق أعصابي حيال مباراة مثل هذه. الذي أشجعه هو كرة القدم الجميلة، ومباراة الأرجنتين وسويسرا كانت مثالًا على كرة القدم الجميلة، التحكيم الذي أعطى طردًا في محله، هكذا يبدو، هكذا يبدو عادلًا وحقيقيًا، والتعادل الذي أحرق أعصاب مشجعي الأرجنتين، ومشجعي ذلك العادي غير العادي، ميسي الذي جعل هذا الكأس يدور حوله، وجعل النقاش يدور حول فرضيتين: هل يفوز به ميسي؟ أم لا يفوز به ميسي؟ ماذا عن بطل العالم الآخر؟ هو أيضًا مجرد جزء من السردية الكبيرة، سردية العادي غير العادي، سردية ميسي، الذي تدور حوله هالة بحجم التاريخ، هالة تنسحب عليه في كل كرة، حتى مع فريقه، حتى مع لاعب فريقه الذي، في انفراده في اللحظات الأخيرة، كان يبحث عن أسطورته، عن بطل فريقه، كان يبحث عن الحسم الاعتيادي، مع أن الحسم ملتصق بقدميه. لا عجب أن يعشق الناس كرة القدم، لا عجب أن يحبوا هذا المهرجان العاصف من اللعب، والتصريحات، والتكهنات، وكل شيء يمكن أن يرتبط بشيء اسمه (كأس العالم).

شيء يستحق الانتباه والمقارنات، بين الذي يسميه محبوه بالدون، والذي يسميه محبوه (ميسي)، يفتح لك آفاقًا للتأمل عن العلاقات البشرية، وقوتها، وتعاظم التضحية فيها، والتعلق، والارتباط، بل وحتى اشتعال العقل الفارق في اللحظات الفارقة. إن كنت أنا الذي لا يشجع ميسي أنتظر لمسة منه، أنتظر شيئًا ما، نجاح تمريرة، مرورًا واختراقًا للدفاع وتسديدة، كنت أنتظر شيئًا ينفي عنه كل ما قيل في مباراة مصر ذات النهاية المؤلمة، والمليئة بالشكوك.

حتى في هذه المباراة، كان ميسي عاديًا أيضًا، عاديًا كأسطورة يريد أن يبقى عاديًا، كان لاعب فريق، يحاول، يساعد، يفعل كل ما بوسعه لكي يفوز الفريق، وهنا الثبات الانفعالي، وصدق الانتماء إلى رقعة الملعب. كل إنسان لديه تصوره ووصفه لميسي. الذي أستطيع أن أقوله: إنه العادي غير العادي، ولا أحد يعلم ما الذي سيحدث في المباراة القادمة، وهل سنرى دموعه، أم سنراه يرفع كأس العالم. متأكد أن المشجع الأرجنتيني كان يحتاج إلى هذا الفوز، لذلك الشعور بأنها مباراة حقيقية، حتى ولو كانت التكهنات السابقة حول (ما يدور وراء الأكمة) مجرد أوهام. الذي يؤكدها، كالذي ينفيها، كلهم لديهم حدس لا أكثر، الحقيقة هي ما يظهر في الإعادات. مباراة تفتح تأملات كثيرة، عن البشر، وعلاقاتهم، وعن الناس، وعن سحر الأبطال، وعن سبب نشوء الأساطير، وعن العادي جدًا الذي اسمه ميسي، الذي جعل كل شيء في كأس العالم غير عادي بعدما أحرزه للمرة الأولى. والآن، ثمة شيء في القلوب يقول: "يستحق ختامه المجيد". عزيزي القارئ، قد أكون مخطئًا في كل كلامي، قد أكون مصيبًا في بعضه، أكتب هذا المقال بعد نهاية المباراة فورًا، لذلك تذكر: هذا الفيض من الحماسة سببه كأس العالم، وجنونه، وكل مفارقة فيه تجعلك تشعر أن مباراة مثل هذه، بين الأرجنتين وسويسرا، يومًا ما ستتذكر متابعتك لها على الهواء مباشرة، وما الذي نريده من كرة القدم أكثر من ذلك؟

 

 

الأكثر قراءة

z