صناعة الحروب

حاتم الطائي 

الإدارات الأمريكية المتعاقبة تتعمد تعزيز مكاسبها الرأسمالية على حساب أرواح الأبرياء

باتت الولايات المتحدة القوة العسكرية المتسببة في الخراب والدمار من حولنا

أمريكا تحرص على أن يظل "أمراء الحرب" هم المتحكِّمون في مستقبل الشعوب

تتعمَّد الإدارات الأمريكية المُتعاقبة توظيف الحروب كأداة لبسط نفوذها الإمبريالي وتعزيز مكاسبها الرأسمالية المتوحشة، على حساب أرواح الأبرياء، وبدماء المُستضعفين، مستخدمين في ذلك أبشع الأسلحة وأكثرها فتكًا ودمارًا وتخريبًا، والحال لا يختلف نهائيًا بين ديمقراطيين وجمهوريين، فمن المؤسف أنَّ كلا الحزبين المتنافسين دائمًا على السُلطة، يتقارعان من أجل تمرير مُخططاتهم الخبيثة، بدعم ومُساندة فجّة ومفضوحة من اللوبي الصهيوني، المُتحكِّم في المشهد السياسي والاقتصادي والأمني وحتى السيبراني الأمريكي.

وخير دليل على ذلك، ما أقره مجلس النواب الأمريكي قبل أيام قليلة، من ميزانية عسكرية غير مسبوقة تصل إلى 1.5 تريليون دولار، وهو رقم لم يُسجل من قبل في تاريخ الميزانيات العسكرية، وتتزامن هذه الميزانية العسكرية الضخمة مع التغيير الرسمي لاسم وزارة الدفاع الأمريكية إلى وزارة الحرب، في تأكيد صارخ على أنَّ هذه الميزانية مخصصة للحروب وليست للدفاع أو تطوير الصناعات العسكرية، وهذه الصناعات في الأساس لا تندرج ضمن الميزانية العسكرية؛ حيث إنها صناعة مستقلة بذاتها تعتمد على الاستثمارات الخاصة، فيما تتولى الإدارات المختلفة في الجيش الأمريكي عمليات تطوير التكنولوجيات العسكرية، بالتعاون مع الشركات الخاصة.

الأمر الأخطر في هذه الميزانية، ليس فقط في حجمها، وإنما في طبيعة البنود التي تتضمنها، منها اعتبار جيش الاحتلال الإسرائيلي شريكًا عسكريًا للجيش الأمريكي، ما يُضاعف من حجم التعاون والشراكة بين قوتين عسكريتين لا تريدان الخير لأي شعب أو دولة في العالم؛ إذ لم تكتفِ الولايات المتحدة- سواء في عهد العجوز جو بايدن (الديمقراطي) أو في عهد دونالد ترامب (الجمهوري)- بتوفير الغطاء غير الأخلاقي للعدوان الصهيوني على غزة عبر الدعم والإسناد ماليًا واستخباراتيًا، وإنما كثَّفت من دعمها المباشر لجرائم الحرب والإبادة الجماعية في القطاع، من خلال وجود عسكريين أمريكيين في أرض الميدان، وفي غرف السيطرة والتحكم وإدارة العمليات الحربية، وهو ما تكشَّف وعرّى السياسة الأمريكية وفضح تآمرها على أهل غزة من أجل إبادتهم. أضف إلى ذلك البوارج الحربية الأمريكية وحاملات الطائرات العملاقة التي ظلت- وما تزال- مُتمركزة في المنطقة، إلى جانب توفير الذخائر المحرمة دوليًا للعدو الصهيوني، من أجل تنفيذ المخطط الصهيوني لإبادة الشعب الفلسطيني ووأد الحق الفلسطيني في بناء دولته المستقلة وطرد المحتل الغاصب منها.

نرى كل ذلك والعالم يغط في سبات عميق، لا يستطيع أن يُعارض أو يُقاوم هذه السياسات الإمبريالية الدموية، باستثناء الشعوب الحُرة المؤمنة بحقوق الإنسان والمناهضة للجرائم الصهيونية في أنحاء العالم، وليس فقط في فلسطين المُحتلة.

لم تعد الولايات المتحدة هي الدولة الضامنة لأمن واستقرار العالم، وإنما أضحت بكل وضوح القوة العسكرية المُتسببة في ما نشهده من خراب ودمار من حولنا، في أنحاء متفرقة من المعمورة، وآخرها في إيران وفي منطقتنا العربية. فلم يكن مُستغربًا أن يتزامن طلب إدارة ترامب من الكونجرس الأمريكي تمرير قانون الميزانية العسكرية الأضخم في تاريخ الولايات المتحدة، مع عودة الحرب على إيران، واستئناف العدوان العسكري عليها، رغم مذكرة التفاهم التي أُبرمت قبل ما يزيد عن شهر وتحديدًا في 17 يونيو الماضي، وما لبث ترامب أن نكص على عقبيه- كما هي عادته- وأهدر هذا الاتفاق. والعودة للحرب تستهدف الضغط على الكونجرس لتمرير الميزانية الضخمة، وسط مُعارضات شديدة وحادة، جعلت الفارق بين المؤيدين والمعارضين للمشروع لا يتعدى 4 أصوات!! في مفارقة شديدة تؤكد أن الأغلبية في مجلس النواب الأمريكي يعارضون الميزانية العسكرية الضخمة، لكن الحزب الجمهوري استطاع تمرير المشروع بدعم من أصوات أخرى ليست جمهورية على الأرجح، لذلك ظهر هذا الفارق الضئيل للغاية.

ومن تابع التصويت على مشروع الميزانية العسكرية في مجلس النواب الأمريكي، يُدرك حجم الانتقادات الشديدة، والدليل على ذلك الهجوم الديمقراطي على وزير الحرب الأمريكي بيت هيجسيث، ومستوى اللغة الهجومية التي استُخدمت ضده من الديمقراطيين المعارضين للحرب ولهذه الميزانية الهائلة.

مثل هذه الميزانية الضخمة ستنجم عنها مخاطر على أمن واستقرار العالم، في ظل ما سوف تسببه من زعزعة للتوازن العالمي، ما قد يُسفر عن حروب تسليح، وعودة للحرب الباردة، ربما هذه المرة لن تكون بين روسيا وأمريكا، وإنما بين الصين وأمريكا؛ فالأولى لن تقبل بتفوق عسكري أمريكي يخل بميزان القوة، أو يُهدد نفوذها الإقليمي في بحر الصين ومناطق نفوذها الحيوي، أو يُضعف من قدراتها العسكرية أو التصنيعية.

أضف إلى ذلك أن 1.5 تريليون دولار ستُمكِّن الولايات المتحدة من تطوير إنتاج الذخائر والمتفجرات، والأسلحة النوعية، والقنابل بمختلف أنواعها، إلى جانب تطوير تقنيات عسكرية سواء ما يتعلق بالطائرات المسيرة أو الزوارق الحربية المسيرة أو ما هو أخطر من ذلك: توظيف الذكاء الاصطناعي في الحروب. وهذا الأخير، استُخدم فعليًا في حرب الإبادة في غزة؛ حيث كانت المسيرات تستهدف قادة المقاومة عبر تقنيات التَّعرف على الوجه، كما أن تقارير كشفت أن عملية اغتيال قيادات عسكرية في حزب الله في لبنان أو في إيران تمت بمساعدة وتوجيه من الذكاء الاصطناعي؛ ما يضع العالم الحُر أمام مسؤولياته الأخلاقية لإيقاف هذا الجنون العسكري الذي يُنذر بفناء الجنس البشري إذا ما تطورت الأمور وأضحى الذكاء الاصطناعي يتخذ قرارات من تلقاء نفسه. وهنا أريد أن أضع تصريح الملياردير الأمريكي إيلون ماسك- والمقرب من الرئيس ترامب- عندما ذكر أنَّ الذكاء الاصطناعي سيتفوق على قدرات العقل البشري في غضون 5 سنوات. وأيًا ما كانت صحة أو دقة هذا التصريح، فالمؤكد أننا أمام مخاطر غير مسبوقة في حالة توظيفه في الحروب، والصناعات العسكرية.

ولا يُمكن استبعاد البرنامج الصاروخي الأمريكي من هذه الميزانية الضخمة؛ حيث من المتوقع أن يُخصص جزء منها لتمويل هذا البرنامج، لا سيما مشروع "القبة الذهبية" الذي تحدث عنه ترامب، وهو أضخم مشروع صاروخي في العالم. وفي محاولة لاستمالة العسكريين وقادة البنتاجون، تتضمن هذه الميزانية مخصصات لزيادة الرواتب، بنسب تصل إلى 7%، حسبما تكشف تفاصيل مشروع الميزانية.

ويبقى القول.. إنَّ الإدارة الأمريكية لم تكتفِ فقط بنشر الحروب في أنحاء العالم وتعميق عدم الاستقرار، وإنما تُمعن في شرعنة إجراءات أخرى لكي يظل "أمراء الحرب" هم المتحكِّمون في مستقبل الشعوب، وتبقى الدماء هي وقود اقتصادات الحرب، مع تعمُّد إشعال حروب لا طائل منها ولا جدوى، بل كُلها حروب عبثية تستنزف موارد الشعوب وتهدم الأمل في مستقبل أكثر استقرارًا، خاصةً للدول والشعوب التي عانت طويلًا من ويلات الحرب والاستعمار.. حروب تُحقق الربح المادي لمجمع الصناعات الحربية الأمريكي وللوبي الصهيوني المُهيمن على إدارة العالم، ومن العجيب في هذه الحروب أنها حتى لا تُحقق التنمية الحقيقية للإنسان الأمريكي؛ حيث إنَّ نسب المُشرَّدين ومُدمني المخدرات والعاطلين عن العمل واللاجئين ومعدلات السرقة والقتل والخطف من بين الأعلى عالميًا.

لقد آن الأوان لكي يحيا هذا العالم في استقرار وخير، ولن يستقيم ذلك مع وجود كيان صهيوني غاصب لأرض فلسطين؛ فالصهيونية عدو البشرية، وإسرائيل هي شيطان هذا العالم، ولا سبيل سوى استمرار المقاومة وصد العدوان وتفكيك المؤامرات وردع كل غاصب ومُجرم.

الأكثر قراءة

z