سُلطان اليحيائي
في عالمنا اليوم، لم يبقَ الإعلام يبحث عن الحقيقة دائمًا، حتى بدا وكأن الحقيقة أصبحت هي التي تبحث عن الإعلام. وهناك يبدأ الفرق بين نقل الوقائع وصناعة الروايات. وأصبح الميل في التغطيات أكثر وضوحًا، ليس عبر المواقف السياسية فحسب، بل أيضًا من خلال الصورة التي تُعرض، والمشهد الذي يُختار، والنص الذي يُكتب، وما يُترك خارج دائرة الضوء.
ولهذا باتت مسؤولية الإعلام اليوم أكبر من مجرد نقل الخبر، فهو يعمل في فضاء مفتوح يستطيع فيه المتلقي أن يقارن، ويتحقق، ويكتشف التناقض بين الروايات. ولم يعد من السهل تمرير رواية ناقصة أو صورة مبتورة كما كان في السابق؛ لأن الوصول إلى الحقيقة أصبح أيسر، والروايات المفبركة لا تلبث أن تكشفها الوقائع وتفضحها المصادر المتعددة.
وليس كل انحياز يبدأ بالكذب، بل قد يبدأ بطريقة عرض الخبر، واختيار ما يُقال وما يُترك، وإبراز أطراف وإخفاء أطراف أخرى. فالرواية لا تُصنع بما يُقال فقط، بل بما يُحجب أيضًا. ومن هنا يبدأ الكيل بمكيالين، ويجد المتلقي نفسه أمام رواية ناقصة يظنها كاملة.
في تغطية حادث الانفجار، بالأمس السابع من يوليو، الذي تزامن مع زيارة الرئيس الفرنسي إلى سوريا، استمعنا إلى أحد المذيعين، وهو يسبق الخبر بالتذكير بأن السلطات السورية حاكمت عددًا من المنتمين إلى النظام السابق، ثم انتقل إلى المراسل في دمشق، الذي تحدث عن التحديات الأمنية التي تواجهها الحكومة، وعن فلول النظام السابق، وتنظيم الدولة، وضعف الإمكانات الأمنية مقارنة بحجم تلك التحديات.
كل ذلك قد يكون جزءًا من الواقع.
لكن السؤال هنا: أي دولة سيئة الذكر في هذه الرواية؟
منذ سقوط النظام السابق، لم تكن دولة الكيان الصهيوني مجرد مراقب لما يجري في سوريا، فقد نفذت عشرات الضربات داخل الأراضي السورية، واستهدفت مواقع عسكرية وبنى تحتية، وأعلنت أكثر من مرة أنها لن تسمح بقيام واقع تعتبره مهددًا لمصالحها. وبذلك أصبحت لاعبًا مباشرًا في الساحة السورية، لا مجرد متابع للأحداث.
فكيف تُرسم خريطة المخاطر في ذهن المشاهد، ويُذكر كل الخصوم المحتملين، بينما يغيب الطرف الأكثر حضورًا عسكريًا في المشهد السوري؟ إن تجاهل وجود الدولة سيئة الذكر، وكأنها ليست طرفًا مؤثرًا، لا ينسجم مع أبسط معايير التوازن، ولا مع القراءة المتوازنة للمشهد.
وهنا يتجلى الميل عن مقتضى المنطق.
فإذا كانت وسائل الإعلام تحرص على استعراض جميع الفاعلين المحتملين، فمن الإنصاف أن تُذكر دولة الاحتلال باعتبارها طرفًا يملك القدرة والحضور والمصلحة في كثير من الملفات السورية، حتى وإن لم توجد أدلة تربطها بالحادث محل الحديث.
ثم يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: هل تنظر دولة بني صهيون بعين الرضا إلى انفتاح سوريا على فرنسا، أو إلى أي مسار قد يمنح دمشق شرعية دولية أوسع؟ قد تختلف الإجابات، لكن إخراج هذا الاحتمال من دائرة النقاش، وكأن هذه الدولة ليست لاعبًا رئيسيًا في معادلة المنطقة، يجعل الرواية ناقصة قبل أن تكتمل.
فالموضوعية لا تعني توجيه الاتهامات بلا برهان، كما أنها لا تعني استبعاد لاعب رئيسي من المشهد. فالحياد الحقيقي يقتضي عرض الصورة كاملة، لا الاكتفاء بالجزء الذي يخدم اتجاهًا معينًا.
ولا تقف مسؤولية التعامل مع الأخبار عند حدود وسائل الإعلام وحدها، فالمتلقي شريك في صناعة الوعي أيضًا. فكثيرًا ما تصلنا رسائل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فنبادر إلى إعادة نشرها بكبسة زر قبل أن نسأل عن مصدرها، ومدى صحتها، وما قد يترتب على انتشارها بين الناس.
لقد كرّم الله الإنسان بالعقل، وجعل التثبت خُلُقًا، والتدبر منهجًا، فلا يليق أن يتحول إلى ناقل لكل ما يصله دون تمحيص. فالكلمة قد تبني وعيًا، وقد تصنع وهمًا، وقد تشعل فتنة. لذلك فإن التحقق ليس أمرًا ثانويًا، بل مسؤولية أخلاقية. وكما نطالب الإعلام بالصدق والموضوعية، فإننا مطالبون أيضًا بأن نمنح عقولنا حقها في التثبت قبل النشر؛ لأن بعض الكلمات، حين تنتقل بلا وعي، قد تترك أثرًا لا يُحمد، أو تُلحق إضرارًا كان بالإمكان تلافيه.
فالرواية التي تحذف جزءًا من المشهد لا تغيّر الوقائع وحدها، بل تعيد تشكيل وعي المتلقي، وتوجّه أحكامه من حيث لا يشعر.
إن أخطر ما يفعله الإعلام المنحاز ليس أنه يكذب، بل إنه ينتقي، ويؤطر، ويوجه عقل المشاهد إلى زاوية واحدة، حتى يظن أن ما يراه هو كل الحقيقة، بينما الحقيقة غالبًا أوسع من الكاميرا، وأكبر من النص المكتوب على شاشة الأخبار.
ولذلك فإن المتلقي الواعي لا يكتفي بما يسمع، بل يسأل دائمًا: من الذي ذُكر، ومن الذي غاب؟ ففي كثير من الأحيان لا تختبئ الحقيقة فيما قيل، بل فيما اختارت بعض الروايات ألا تقوله.
