سلطان بن ناصر القاسمي
لا يكاد يخلو بيت من موقف يرفض فيه أحد الأبناء نصيحةً من والديه، معتقدًا أنها محاولة لفرض الرأي أو تقييد لحريته، وأنه الأقدر على إدارة شؤون حياته واتخاذ قراراته بنفسه. وفي المقابل، يقف الوالدان بحرصهما المعتاد، يحاولان أن يجنبا أبناءهما الوقوع في أخطاء سبق أن مرّا بها، أو دفعا أثمانها في مراحل مختلفة من حياتهما. وبين هذين الموقفين تتكرر كثير من المواقف التربوية التي قد تتحول إلى خلافات كان يمكن تجاوزها بقليل من الحوار وكثير من الفهم.
ويعتقد بعض الأبناء أن امتلاكهم للمعلومة أو مواكبتهم للتطورات الحديثة يمنحهم القدرة على اتخاذ القرار الصحيح في كل المواقف، فيستعجلون رفض النصيحة قبل التأمل فيها. غير أن الأيام تثبت لكثير منهم أن ما اعتبروه يومًا تدخلًا في شؤونهم لم يكن سوى خبرة متراكمة، ورؤية ناضجة صاغتها سنوات طويلة من التجارب، والنجاحات والإخفاقات، ومعرفة بطبيعة الناس وتقلبات الحياة.
فالوالدان لا يتحدثان من فراغ، بل من واقع عاشاه، ومواقف اختبراها، ودروس تعلماها أحيانًا بعد معاناة طويلة. ولذلك تكون نظرتهما للأمور أكثر شمولًا، وقدرتهما على استشراف النتائج أكبر؛ لأنهما لا ينظران إلى القرار من زاوية الحاضر فقط، بل يربطانه بما قد يترتب عليه في المستقبل.
ومن أجمل ما يميز نصائح الوالدين أنها تنطلق من حب صادق لا ينتظر مقابلًا. فلا أب يتمنى لابنه الفشل، ولا أم ترضى لابنتها التعثر. بل إن سعادة الوالدين الحقيقية تكمن في أن يرى كلٌ منهما أبناءه يحققون نجاحًا يفوق ما حققه هو في حياته. ولهذا فإن كثيرًا من النصائح التي تبدو للأبناء وكأنها قيود، ليست إلا محاولات صادقة لتجنيبهم أخطاء قد تكلفهم سنوات من الجهد، أو خسائر كان بالإمكان تفاديها.
وفي المقابل، لا يمكن إنكار أن للأبناء حقهم في بناء شخصياتهم وخوض تجاربهم الخاصة، فالتجربة مدرسة لا يمكن أن يتعلم الإنسان منها إلا إذا عاشها بنفسه. لكن الفرق كبير بين أن يتعلم الإنسان من كل خطأ يقع فيه، وبين أن يستفيد من خبرة من سبقوه فيختصر على نفسه طريقًا طويلًا من المعاناة. فالحكمة لا تعني أن نعيش جميع التجارب، بل أن نحسن الاستفادة من تجارب الآخرين، وفي مقدمتهم الوالدان.
وتبرز أهمية نصائح الوالدين في كثير من القرارات المصيرية؛ كاختيار التخصص الدراسي، أو الوظيفة، أو شريك الحياة، أو إدارة الأموال، أو التعامل مع العلاقات الاجتماعية. ففي مثل هذه المواقف قد تغلب العاطفة أو الحماس على الأبناء، بينما ينظر الوالدان إلى الصورة بصورة أشمل، مستندين إلى ما اكتسباه من خبرة ومعرفة بطبيعة الحياة.
وفي الوقت نفسه، لا يعني ذلك أن الوالدين لا يخطئان، أو أن على الأبناء تنفيذ كل رأي دون نقاش. فالحياة اليوم تختلف عن الماضي في كثير من تفاصيلها، ولكل جيل ظروفه وتحدياته. لذلك تبقى أفضل البيوت تلك التي يسودها الحوار الهادئ، حيث تُطرح الآراء باحترام، وتُستمع إلى النصيحة بعقل منفتح، ويُمنح الأبناء مساحة مناسبة للتعبير عن أفكارهم، كما يُقدَّر للوالدين ما يحملانه من خبرة وحرص ومحبة.
قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾، فجعل الإحسان إلى الوالدين والاعتراف بفضلهما من أعظم القيم التي دعا إليها الإسلام؛ لأن ما يبذلانه من جهد وتوجيه ورعاية لا يمكن أن يُقابل إلا بالبر والامتنان وحسن الاستماع.
ولعل أجمل ما يكتشفه الإنسان عندما يتقدم به العمر، أن كثيرًا من النصائح التي ضاق بها صدره في شبابه، كانت رسائل حب خالصة، أراد بها والداه أن يختصرا عليه سنوات من التعب والندم. فهما لا يستطيعان أن يعبرا الطريق بدلًا عنه، لكنهما يحاولان أن يزيحا عن طريقه ما استطاعا من العثرات. ومن الحكمة أن نصغي إلى نصائحهما، فربما كانت كلمات قليلة تختصر علينا طريقًا طويلًا من الحياة.
