بين التوظيف والاستقرار.. تتجلى جودة القرار

 

 

عمر بن حميد العبري**

لا شك أن توفير فرص العمل يمثل أحد أهم المؤشرات على حيوية الاقتصاد وفاعلية السياسات التنموية، كما أن انخفاض أعداد الباحثين عن عمل يعد هدفًا مشروعًا تسعى إليه مختلف الدول لما له من أثر إيجابي على المجتمع والاستقرار الاقتصادي. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه في هذا السياق هو: هل يقتصر النجاح على توفير الوظيفة فحسب، أم يمتد ليشمل جودة هذه الوظيفة وقدرتها على تحقيق الاستقرار المعيشي والمهني؟

إن الوظيفة ليست مجرد رقم يُضاف إلى الإحصاءات، ولا حالة تُزال من قوائم الباحثين عن عمل، بل هي محطة مفصلية في حياة الإنسان، يبني عليها مستقبله، ويؤسس من خلالها أسرته، ويرسم ملامح طموحه الشخصي والمهني. ومن هنا، فإن قيمة الوظيفة لا تُقاس بوجودها فقط، وإنما بقدرتها على توفير الحد المناسب من الاستقرار والأمان والعيش الكريم.

وفي ظل المتغيرات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، تبرز أهمية النظر إلى الوظيفة بمنظور أشمل يتجاوز مجرد التعيين إلى جودة الفرصة الوظيفية ذاتها. فالأجر العادل، والأمان الوظيفي، وفرص التطور المهني، والقدرة على مواجهة الالتزامات الحياتية، كلها عناصر لا تقل أهمية عن توفير الوظيفة نفسها، بل إنها تمثل الضمان الحقيقي لاستدامة أثرها الإيجابي على الفرد والمجتمع.

كما أن الاستقرار الوظيفي يسهم في رفع مستوى الإنتاجية، وتعزيز الانتماء المؤسسي، وتحفيز الموظف على العطاء والإبداع. فالإنسان عندما يشعر بالأمان تجاه مستقبله الوظيفي يكون أكثر قدرة على التركيز والإنجاز والمبادرة، وأكثر استعدادًا للاستثمار في تطوير ذاته وخدمة مؤسسته ووطنه.

ومن هذا المنطلق، فإن نجاح برامج التوظيف لا ينبغي أن يُقاس فقط بعدد الفرص التي تم توفيرها، وإنما كذلك بمدى قدرتها على بناء حياة مستقرة ومستقبل واعد لشاغليها. فالأرقام تعكس حجم الإنجاز، أما جودة الوظائف فتعكس عمق أثره واستدامته.

إن التنمية الحقيقية لا تكتمل بتوفير وظيفة فحسب، بل بتوفير وظيفة تمنح الإنسان الثقة بمستقبله، والقدرة على التخطيط لحياته، والشعور بأن جهده وعطاءه يقابلان بقدر من الاستقرار والكرامة. وعند هذه النقطة تحديدًا تتجلى جودة القرار، ويتحول التوظيف من مجرد هدف مرحلي إلى ركيزة تنموية تصنع الاستقرار والازدهار.

 

**عضو سابق في مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة عُمان بمحافظة الظاهرة

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z