مرتضى بن محمد جواد الجمالاني **
إن نجاح الاستثمار في قطاعي التأمين والخدمات الصحية يعتمد في المقام الأول على توافر المعلومات الدقيقة والبيانات الرسمية والشفافية في عرض المؤشرات الاقتصادية والتشغيلية. فالمستثمر لا يتخذ قراره بناءً على التوقعات أو الانطباعات، وإنما يستند إلى الخطط الاستراتيجية، والحقائق، والأرقام، والإحصاءات، والبيانات المحدثة، إضافة إلى وضوح التشريعات والقوانين المنظمة للسوق، واستقرار البيئة التنظيمية.
وفي هذا الإطار، كانت الهيئة العامة لسوق المال -سابقًا- تصدر تقارير وإحصاءات تتعلق بمشروع التأمين الصحي الإلزامي، والتي شكلت مرجعًا مهمًا لفهم حجم السوق والفرص الاستثمارية. إلا أن المرحلة الحالية تتطلب تطوير هذه التقارير لتكون أكثر شمولًا وحداثة، بما يعكس الواقع الفعلي للسوق، ويواكب التطورات المتسارعة في قطاعي التأمين والرعاية الصحية.
ومن المؤشرات التي يتطلع إليها المستثمرون وصناع القرار توفير بيانات تفصيلية حول عدد المؤمن عليهم، وحجم أقساط التأمين الصحي، وقيمة المطالبات، ومعدلات الخسائر، ونسب النمو، والتوزيع الجغرافي للمستفيدين، إضافة إلى بيانات عن المستشفيات والمراكز الصحية الخاصة، والطاقة الاستيعابية، والإنفاق الصحي، بما يمكّن من إعداد دراسات جدوى دقيقة، وتحديد الفرص الاستثمارية المستقبلية.
كما تبرز الحاجة إلى نشر إحصاءات شاملة عن الموارد البشرية في القطاع الصحي، وفي مقدمتها عدد الأطباء والكوادر الصحية الوطنية العاملة في القطاع الخاص، وتوزيعهم حسب التخصصات والمحافظات، ونسب التعمين، والاحتياجات المستقبلية للقوى العاملة الصحية. فهذه المؤشرات تمثل أحد أهم العناصر التي يعتمد عليها المستثمر عند اتخاذ قرار الاستثمار في المستشفيات والمراكز الطبية وشركات التأمين الصحي، كما تسهم في قياس جاهزية السوق لاستيعاب الاستثمارات الجديدة.
ومن هنا، تبرز أهمية إنشاء قاعدة بيانات وطنية متكاملة ومحدثة بصورة دورية، بالتعاون بين هيئة الخدمات المالية، ووزارة الصحة، والمركز الوطني للإحصاء والمعلومات، ووزارة العمل، وغرفة تجارة وصناعة عُمان، لتكون مرجعًا موحدًا للمستثمرين وصناع القرار والباحثين، وتعزز من مستوى الشفافية والثقة في السوق.
كما نأمل أن تتبنى الجهات المختصة إصدار تقرير سنوي للاستثمار في قطاعي التأمين والخدمات الصحية، يتضمن مؤشرات الأداء الرئيسة (KPIs)، والإحصاءات الاقتصادية والفنية، والفرص الاستثمارية، والتحديات، والتوقعات المستقبلية، وفق أفضل الممارسات الدولية، وبما يخدم احتياجات المستثمرين المحليين والدوليين.
إن توافر البيانات الدقيقة والشفافة لم يعد خيارًا، بل أصبح أحد أهم مقومات البيئة الاستثمارية الحديثة. فكلما ارتفع مستوى جودة الإحصاءات، ووضوح التشريعات، وسهولة الوصول إلى المعلومات، ازدادت ثقة المستثمرين، وتحسنت جودة القرارات الاستثمارية، وتعززت القدرة على استقطاب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية.
وانطلاقًا من ذلك، فإننا ندعو إلى تبني نهج الاستثمار القائم على البيانات (Data-Driven Investment)، باعتباره أحد الركائز الأساسية لبناء اقتصاد تنافسي ومستدام. فلا استثمار ناجح دون بيانات موثوقة، ولا بيانات ذات قيمة دون شفافية وإفصاح، ولا يمكن رسم سياسات اقتصادية فاعلة دون مؤشرات دقيقة وقابلة للقياس.
ومن هذا المنطلق، فإن إصدار تقرير سنوي متكامل عن قطاعي التأمين والخدمات الصحية سيشكل خطوة استراتيجية نحو بناء اقتصاد قائم على المعرفة والبيانات، وسيسهم في تحقيق مستهدفات رؤية عُمان 2040، كما سيرسخ مكانة سلطنة عُمان كوجهة جاذبة للاستثمار في هذين القطاعين الحيويين، ويعزز من مساهمتهما في الناتج المحلي الإجمالي، والتنويع الاقتصادي، وخلق فرص العمل، وتمكين الكفاءات الوطنية في القطاع الخاص.
فالبيانات الدقيقة هي أساس القرار الاستثماري السليم، وهي اللغة التي يفهمها المستثمر، والجسر الذي يربط بين الرؤية الطموحة والتنفيذ الناجح.
**خبير التأمين وباحث اقتصادي متخصص
