د. أحمد بن محمد بن راشد الهنائي*
عمد النظام الأساسي للدولة، الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (6/2021)، على بيان أساس المجتمع العماني المتمثل في الأسرة، من خلال المبادئ الاجتماعية الموجهة لسياسة الدولة، والتي من بينها: الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدين والأخلاق والوطنية، وتعمل الدولة على تماسكها واستقرارها وترسيخ قيمها... إلخ.
ومفاد هذا النص الدستوري أن الأسرة هي الركيزة الأساسية للمجتمع، وترتكز الأسرة على العديد من المقومات، أبرزها: الانتماء الديني المتمثل في الدين الإسلامي، وفق ما نص عليه النظام الأساسي للدولة، وقد حرص هذا النظام على بيان أعظم الخصال التي يجب أن تتحلى بها الأسرة العمانية، وذلك بالنص على أن الأخلاق هي الركيزة الثانية لمقوماتها.
وغني عن البيان أن الأخلاق هي سمة من السمات والخصال الحميدة التي يجب أن تتحلى بها الأسرة والفرد على حد سواء، حيث إن المجتمعات تسعد وتستقيم بوجودها، وعلى خلاف ذلك تضيع المجتمعات بانعدام الأخلاق التي تؤدي إلى انتشار الخلافات الأسرية، وضياع الأسرة، وانهدام أساس المجتمع وركنه المتين.
ولا غرو أن المشرع العماني قد أولى الأسرة عناية خاصة، فجاء النص على صونها وإبراز مكانتها ضمن المبادئ العامة التي تقوم عليها الدولة، وذلك حفاظًا على مكونات الأسرة من التشتت والضياع، وما يستتبع ذلك من آثار سلبية على المجتمع في مختلف مفاصله الاجتماعية والاقتصادية، حيث إن النزاعات الأسرية لا تنحصر في أطراف النزاع بين الزوجين، بل تمتد آثارها إلى المجتمع بأسره.
وبالنظر إلى ما أبانت عنه الإحصائيات الرسمية من ارتفاع في حالات الطلاق، وكثرة النزاعات الأسرية المعروضة على مختلف الجهات القضائية في الدولة، فإن الأمر يستوجب على الدولة القيام بالتدخل للحد من هذه الظاهرة، وذلك استنادًا إلى النص الدستوري القاضي بالنص: "وتعمل الدولة على تماسكها واستقرارها وترسيخ قيمها".
ولئن قام المشرع العماني بالعمل على المحافظة على الأسرة العمانية في العديد من التشريعات، منها، على سبيل المثال لا الحصر: قانون الأحوال الشخصية (المرسوم السلطاني رقم 32/97)، وقانون الطفل (المرسوم السلطاني رقم 22/2014)، وقانون الفحص الطبي قبل الزواج (المرسوم السلطاني رقم 111/2025)، إلا أن التنظيم القانوني بموجب تلك التشريعات لا يكفي وحده لكبح هذه الظاهرة في ظل ما تشهده المجتمعات من متغيرات وتداخل في الثقافات.
وتأسيسًا على ذلك، تقوم التسوية الودية على حلحلة الكثير من الخلافات الأسرية، وترميم ما يسودها من تصدع، وإعادة الحياة الأسرية إلى طبيعتها السوية، والمحافظة على مكوناتها، وهي بذلك تمتاز بالعديد من المزايا في حل النزاعات الأسرية، لعل أبرزها: سرعة الفصل في الخلافات الأسرية، وقلة التكلفة عوضًا عن اللجوء إلى الجهات القضائية، بالإضافة إلى المحافظة على السرية (والتي غالبًا ما تكون المستندات والمعلومات الخاصة بالطرفين ذات طابع سري، لا يستحب نشره أمام العامة). كما أن هذا النوع من التسوية -الودية- يسهم في حماية الأبناء من التشتت والضياع، ناهيك عن الآثار السلبية والمجتمعية الناتجة عن الأحكام الشرعية القضائية.
وبغية المحافظة على مكونات الأسرة العمانية من أي تأثيرات داخلية وخارجية، فإنه لا محيص من قيام الجهات المختصة في الدولة بدراسة مسبباتها، وكافة عواملها، ومن مختلف جوانبها، وحرصًا منا على صون المجتمع العماني من التفكك الأسري، فإننا نوصي بالأخص -تلك الجهات- بدراسة المقترحات الآتية:
- إنشاء مراكز متخصصة للوساطة الأسرية.
- إعداد برامج تدريبية مهنية متخصصة تجمع بين الجوانب القانونية والاجتماعية والنفسية لمن يتولى مهام الوساطة.
- قيام مجلس عُمان بدراسة التشريعات الخاصة بالأسرة. (لتحديث المنظومة التشريعية الخاصة بالأسرة، وفق ما تنتهي إليه الدراسة).
- إنشاء جهة مختصة بتطبيق منهجية قياس الأثر التشريعي. (لقياس أثر التشريعات قبل وبعد نفاذها، وعلى وجه الخصوص التشريعات الاجتماعية والاقتصادية، نظرًا لتأثيرها المباشر على المواطن والمجتمع).
- تفعيل دور التشريعات الاستباقية، خاصة بالنسبة إلى التشريعات ذات العلاقة بمرتكزات المجتمع الداخلي.
- قيام وزارة الإعلام بتكثيف البرامج الهادفة -المسموعة والمقروءة- الخاصة بالأسرة والمجتمع، مع التركيز على تأثير تطبيقات التواصل الاجتماعي المختلفة وبرامج السوشيال ميديا على العلاقات الأسرية.
- قيام وزارة التنمية الاجتماعية بإنشاء سجل وطني خاص بالوسطاء، وإجراء تقييم سنوي لتركيبة المجتمع العماني، بغية تقويم ومعالجة ما يفضي إليه ذلك التقييم من حالات سلبية أولًا بأول.
- قيام وزارة الصحة برصد الحالات الصحية -النفسية- الناجمة عن حالات الطلاق، مع أهمية تدعيم الجانب الصحي بالأطباء المختصين بالجانب النفسي، وعدم الاكتفاء بصرف الأدوية المخففة للآثار النفسية، والقيام بوضع خطة علاجية لمتابعة تلك الحالات، بغية إعادة دمجها في المجتمع.
- قيام وزارة التعليم بإدراج الوساطة والتسوية الودية في مناهجها التعليمية، مع تفعيل الجانب العملي التطبيقي من خلال انتقاء مجموعة من الطلبة لتمثيل دور الوسيط، بغية إيصال صوت الطالب المدرسي إلى المحيط الأسري، وترسيخ مفهوم الوساطة والتسوية الودية داخل المجتمع العماني.
- تشكيل لجنة وطنية تضم كافة الجهات ذات العلاقة لدراسة كافة العوامل الخاصة بظاهرة الطلاق، وإيجاد الحلول الناجعة للحد من هذه الظاهرة، بالتعاون مع ما يتم إنشاؤه من مراكز خاصة بالوساطة والتسوية الودية.
*رئيس مركز البحوث والدراسات الجامعية
دكتوراة في القانون الدستوري والعلوم السياسية
