د. مجدي العفيفي
رحلة في50 عامًا من الصحافة والفكر والكلمة
الحركة التاسعة
مرّوا في حياتي وتركوا الضوء
(49)
ما تزال أمامنا الحركة قبل الأخيرة، وهي ستكون من أكثر الفصول دفئًا وإنسانية.
عنوانها: «الناس الذين مرّوا في حياتي.. وتركوا الضوء»
سنكتب عن: الأساتذة.. الأصدقاء.. القادة الذين التقيتهم.. الشخصيات التي أثرت في رحلتي.
فصل أشبه بحديقة من الوجوه والذكريات..
ها نحن ندخل الحركة قبل الأخيرة من السيمفونية، حيث يصبح الزمن أكثر دفئًا، ويصبح التأمل أكثر حميمية. هنا تشرق وجوه الناس الذين تركوا أثرهم في حياتك، وتتحول الذكريات إلى نور.
الناس الذين مرّوا في حياتي.. وتركوا الضوء
الحياة ليست مجرد أحداث وأماكن..
الحياة هي الوجوه التي نلتقي بها، والأرواح التي تتقاطع معنا، وتترك أثرًا، أحيانًا صامتًا، أحيانًا قويًا، لكن دائمًا خالدًا.
أولهم أساتذتي في جامعة القاهرة.. هؤلاء الذين حملوا في عيونهم شعلة المعرفة.. وتركوا لي حنينًا دائمًا للتعلم.
كانوا يرون فيّ شيئًا لا أراه أنا بنفسي، يحثونني على السؤال أكثر، والبحث أكثر، ويعلمون أن الكلمات أحيانًا هي مجرد جسر، أما الحكمة الحقيقية فتولد في الصمت بين الدروس.
ثم أصدقاء الرحلة الصحفية.. رفاق الدرب في قاعات الأخبار ومكاتب التحرير، الذين شاركوني الليالي الطويلة، والخبر العاجل، والمقال الصعب.
أذكرهم ليس فقط لأيام العمل، بل للحكايات الصغيرة التي تضيء القلب: ابتسامة في زمن ضجيج، نصيحة عند خطأ، موقف شجاع في لحظة ضعف.
(50)
القادة الذين قابلتهم.. بداية من مصر إلى عُمان، الكويت، الرياض، دبي، لندن، وواشنطن…
هؤلاء الذين علموني دروسًا لا تُنسى:
أن القوة الحقيقية ليست في المنصب، بل في الرؤية..
وأن الحكماء هم الذين يستمعون قبل أن يتحدثوا..
وأن من يملك قدرة على الإصغاء، يملك مفتاح التاريخ نفسه.
(51)
الأصدقاء العابرون.. الذين لم ألتقِ بهم سوى لمرة واحدة، لكن كلماتهم، أو أفعالهم، أثرت في نفسي كما يؤثر ضوء الشمس على حجر بارد.
أدركت أن بعض النفوس لا تحتاج إلى وقت طويل لتترك بصمة.. إنها بصمة نور صافٍ.
والأسرة.. الذين كانوا دائمًا خلف الكواليس، صوت الصمت والدعم، والأمان الذي لا يرهق، وهؤلاء هم من منحوني القدرة على الوقوف في وجه العواصف، والمساحة للصمت الذي أصبح حكمة لاحقة.
أدرك الآن من شرفة العام السبعين.. أن كل هؤلاء الناس، كل وجوه تركت بصمتها.. هم الحقيقة الأكثر قيمة في العمر كله.
ليس المال..
ولا المكانة..
ولا الشهرة..
بل الأثر الذي يتركه الإنسان في نفوس الآخرين.
وفي هذا التأمل.. تتحول الذكريات إلى نور، والوجوه إلى شموع صغيرة، تضيء الطريق، حتى وإن غاب أصحابها عن الحياة.
وهكذا، من خلالهم، أرى نفسي في كل صفحة كتبتها.. وفي كل خبر نشرته.. وفي كل كتاب وضعته على الرف.. فهم كانوا المرايا التي عرفتني.
(52)
ومن هنا.. نصل إلى النغمة الأخيرة من هذه الحركة السيمفونية.
حيث يتحول الصمت، الحكمة، التجربة، والوجوه كلها إلى سلام داخلي تام.. عنوانها: «سلامٌ قولًا من رب رحيم.. الختام»
هناك سنغلق السيمفونية كما بدأناها: بنور الصفاء، برحيق العمر، وبحريق الحكمة..
ها نحن نصل إلى خاتمة السيمفونية.. الحركة التي تُسكِت كل الضجيج، وتترك القلب يلتقط نقاء العمر وحكمة السنين. هذه هي اللحظة التي تتحول فيها كل الذكريات، والصمت، والكتب، والوجوه، إلى سلام داخلي كامل.
***
ونواصل عزف السيمفونية السبعينية إن كان في العمر بقية..
