مدرين المكتومية
أينما ذهبنا للسياحة، تجدنا نهتم بالمكان الذي نقصده ومن ثم مكان إقامتنا، وبعد ذلك نختار رقم الغرفة التي تتميز بمزايا أفضل عن غيرها، نتأكد أنَّها تحتوي شرفة عالية ورائعة تطل على أجمل مكان في المنطقة، ومن ثم نشعر أن تلك التجربة التي نعيشها قد اكتملت.
ولأنَّ الإطلالات تمثل شيئا كبيرا ومهماً للسائح في مختلف أنحاء العالم، فقد تحولت الإطلالات الطبيعية إلى وجهات سياحية مهمة بالنسبة للزائر، كونها لا تقدم تجربة بصرية فقط، بل تعطي إحساسا عاماً بشيء من المُغامرة والرغبة في معرفة المزيد عن ذلك الموقع، فهي لا تقتصر على المشاهدة، لكنها تمثل تجربة إنسانية تستحضر الدهشة، وتعطي الزائر فرصة لرؤية المكان بعينه.
ولذلك أصبحت الشرفات المُعلقة فوق الجبال أو الغابات أو البحار والوديان تمثل أهمية كبيرة للجذب السياحي، وتمنحنا مشهدا طبيعيا استثنائيا، لتتحول مثل هذه الإطلالات إلى عنصر جذب اقتصادي وسياحي لا يقل أهمية عن أي مشروع آخر.
ومن بين هذه الإطلالات العمانية التي أصبحت تمثل تجربة استثنائية للزوار إطلالة "شعت" في محافظة ظفار، فهي من النماذج الجميلة التي استقطبت عددا كبيرا من زوار الخريف. وفي أثناء زيارتي للموقع للاستمتاع بالتجربة وقبل أن اكتشف أنني أخاف من المرتفعات أيضاً، انبهرت بعدد الزوار من مختلف الفئات العمرية الذين قصدوا المكان للتجربة، فكنت أرى السعادة والفرح في عيونهم، رغم الطابور الطويل وقائمة الانتظار، لكن الجميع يشعر بالسعادة، خاصة في ظل وجود اهتمام كبير من قبل النَّاس ورغبة حقيقية في زيارة هذه الإطلالة المعلقة بين السماء والأرض.
وهذه التجربة تمثل نموذجا عُمانيا مميزا، حيث يُعد موسم خريف ظفار من أهم المواسم الجاذبة للناس، وهو من أكثرها أيضا استقطاباً للزوار من خارج عُمان، فعندما يقف الإنسان بين ذلك الامتداد الجبلي، والبساط الأخضر وكل ذلك يُعانق السحب، يقف الإنسان ليتأمل تلك اللوحة البعيدة ليكتشف من خلالها كم أن كل شيء له هيبته ووقاره، حتى الطبيعة تمتلك لغتها الخاصة التي لا يمكن أن تقرأ وتكتب بقدر ما يمكن الإحساس بها في القلب والنظر إليها بالعين، وهكذا هو المنظر الذي قد يتراءى لك.
ووسط مشاهد الازدحام والصفوف المتشوقة لهذه التجربة، كنت أرى الشغف الملفت بعيون الزائرين، فالكبير والصغير يقصدون شعت بكل حب، يترقبون الوصول إليها مهما كانت المسافة، كأنَّهم على موعد مع حلم طال انتظاره، ولم تعد زيارة ظفار مقتصرة أو مكتملة على الوقوف على ذلك البساط الأخضر الذي وهبه الله لظفار، بل على زيارة تلك الإطلالة التي استطاعت في وقت قصير أن تكون حاضرة في ذاكرة كل زائر لهذه الخريف، ورمزا من رموز ظفار الحبيبة.
وإننا أمام هذه التقدم والتطوير التي تعيشه المحافظة لا يمكن أن نرى ذلك من زاوية واحدة بل علينا أن نقرأ ذلك من خلال الجهود التي تبذلها وزارة التراث والسياحة في تطوير المنتج العماني والتسويق لظفار محلياً ودولياً، فاليوم وأنا أزور ظفار ضمن وفد رسمي قادم من المملكة العربية السعودية، أرى الدهشة في أعينهم وأسمع أطيب الكلام عن جمال ظفار وجمال التجربة خلال موسم الخريف، وحينها أشعر بالفخر الشديد، لأنَّ مثل هذه التجربة تعد ضمن الحملات الترويجية المدروسة والمشروعات النوعية التي تُبرز مقومات الطبيعة والثقافة التي تزخر بها المحافظة، فهذه الرؤية التي تقوم بها الوزارة بالتعاون مع الجهات المعنية هي الكيفية التي يتم من خلالها تحويل عناصر الجمال إلى قيمة اقتصادية مستدامة، تضمن للزائر تجربة متكاملة يعيش بها ويحملها معه. ومن هنا أصبحت ظفار ضمن المخطط الخاص بالسفر في الصيف للكثير من الأسر العمانية والخليجية والعربية والأجنبية ممن وجدوا فيها ما كانوا يبحثون عنه في الخارج، فهي الخيار الأول اليوم، وأولوية سنوية لا يمكن تجاوزها لما تقدمه من تجربة متكاملة وحقيقية.
ومن هنا، ومن هذا علو هذه الشرفة الأكثر من رائعة "شعت"، أقف أمام نفسي لاكتشف معها خوفي من المرتفعات، إلا أنني لم أتجاوز أبداً رغبتي الشديدة في رؤية ذلك المشهد مع الضباب والجو اللطيف البارد، فمن هذا الارتفاع الشاهق تصغر مع كل نظرة التفاصيل في الأسفل، هذه المكان يؤكد أن الاستثمار في المشهد والمكان هو أمر ذكي للغاية وصناعة استثمارية، فالطبيعة عندما تلتقي بالرؤية وتتكامل معها البنى السياحية مع الترويج الاحترافي تكون النتيجة مكاناً ينبض بالحياة، وذاكرة تدعو للعودة من جديد.
