محمد بن رامس الرواس
لم يعد الأمر مجرد وجهة نظر سياسية، ولا هو مجرد سحابة صيف دبلوماسية عابرة، إن ما نعيشه اليوم هو زلزال جيوسياسي يضرب أركان دولة الكيان الصهيوني، ويحولها من دولة مدللة في الغرب إلى دولة منبوذة دوليًا يطاردها شبح جرائم الحرب والإبادة التي ارتكبتها في غزة. ففي العديد من عواصم العالم شرقًا وغربًا باتت الحقائق تظهر جلية واضحة لهم، لا يستطيع إعلام الاحتلال وحلفاؤه إخفاءها، فقد أصبحت الأرقام تتكلم وتفصح عن الحقائق، منها ما صدر عن مركز "بيو" في مايو 2026؛ ومركز بيو للأبحاث هو مركز أبحاث أمريكي مقره واشنطن، يُعرف أيضًا بـ"مركز الحقائق"، ويوفر بيانات ديموغرافية، واستطلاعات للرأي العام، وأبحاثًا حول القضايا الاجتماعية والدينية والسياسية. ولقد أظهر المسح الشامل الذي أجراه في 36 دولة أن نسبة 67% من المشاركين يحملون آراءً سلبية تجاه دولة إسرائيل، مع تراجع حاد في الثقة برئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو في معظم هذه الدول. والتقرير يؤكد أن ما جاء فيه ليس مجرد رفض لسياسات عسكرية، بل هو تحول جذري في كيفية رؤية العالم للكيان. إن ما صدر عن هذا المركز الأمريكي ليس مجرد رقم، إنما حكم أخلاقي، فالعالم الذي كان مضللًا بالسردية الإسرائيلية الكاذبة قد استيقظ، والضمير الإنساني قرر الانحياز للحقيقة الثابتة المؤكدة.
ولم تعد دول الغرب والشرق دولًا عمياء مثل ما كانت قبل السابع من أكتوبر، تدعم الكيان الصهيوني بدون وعي. ففي كندا فجّر رئيس وزرائها "مارك كارني" تصريحًا سياسيًا قويًا بإعلانه نهاية عصر التبعية العسكرية المطلقة، حيث قال: لقد قررت كندا أن توقف نزيف ميزانيتها لدعم أجندة دولة الكيان الإسرائيلي وقادته. وهذا يعني أن المركب الصهيوني بدأ يغرق، وأن أصدقاء الأمس أدركوا أنهم يغرقون معه في وحل الجرائم والآثام، وأن ليس هناك من وسيلة لهم إلا الابتعاد عنه.
وليس أدل من ذلك أيضًا ما حدث تحت قبة البرلمان البولندي، حينما صرخ نائب برلماني قائلًا: "إسرائيل دولة إرهابية!". وفي إسبانيا، لم يعد المشهد تقليديًا، بل صار تحديًا مباشرًا للغطرسة. إننا نشهد تآكلًا في هيبة القوة الإسرائيلية الواهية؛ حيث تحولت أروقة القانون في إسطنبول إلى محاكمات دولية تلاحق قادة الاحتلال، ليطلق على رئيس وزراء دولة الكيان الإسرائيلي مسمى "هتلر العصر"، ومن رئيس دولة إلى مطلوب للعدالة الدولية.
إن ما نراه اليوم هو تأويل لقوله سبحانه وتعالى: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا}. والباطل في جوهره هش، مهما علا صوته وكثر حلفاؤه، وما نشهده اليوم من عجز داخل الكيان الإسرائيلي لهو أكبر دليل، حيث تعترف صحافتهم بأن رئيس مجلس وزرائهم يضحي بالجميع للبقاء في السلطة، وهو برهان على أن الكيان يلتهم نفسه بنفسه من الداخل. وكما علمنا رسولنا الكريم، عليه أفضل الصلاة والسلام: "إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته". واليوم بدأ يتداعى جسد الإنسانية كله ضد هذا السرطان الذي عاث في الأرض فسادًا؛ ليعزله وينبذه.
نحن لا نتحدث هنا عن تنبؤات، بل عن قراءة واقعية للأحداث والوقائع، فالعزلة الدولية باتت تطبق على عنق الكيان، والغطاء الأمريكي بدأ يتآكل بفعل الغضب الشعبي داخل الولايات المتحدة وخارجها، والكيان بات مكشوفًا أمام عدسات العالم. ولقد ولى زمن الاستعلاء الصهيوني، وإن ما نراه الآن هو المراحل الأخيرة من عمر دولة ارتكبت أبشع المجازر البشرية في العصر الحديث، فأصبحت كل الدلائل السياسية والأخلاقية تؤكد أنه خلال الأعوام القليلة القادمة سيكون نقطة التحول الكبرى لزوالها بعد أن سقطت أقنعتها وسرديتها بقولها إنها هي الضحية.
