ناصر بن سلطان العموري
أظهرت البيانات الإحصائية الصادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات أن عدد حالات الطلاق المسجلة في سلطنة عُمان بلغ (4208) حالات خلال عام 2025، مقارنة بـ(4122) حالة في عام 2024، بارتفاع سنوي قدره نحو 2.1%، بينما يصل الارتفاع عند المقارنة بعام 2023 إلى نحو 9.9%. ورغم أن هذه الأرقام لا تختصر واقع الأسرة العُمانية، فإنها تبقى مؤشرًا يستحق التوقف عنده، وقراءة ما وراءه من أسباب ودلالات.
ومن الخطأ أن نتعامل مع هذه الأرقام بمنطق التهويل وإثارة المخاوف، كما أنه من الخطأ أن نكتفي بقراءتها مرورًا عابرًا. فالأرقام لا تُصدر أحكامًا، لكنها تفتح باب المراجعة، وتدعونا إلى البحث في الأسباب التي تقف خلفها بعيدًا عن المجاملات أو تحميل المسؤولية لطرف واحد. فكل حالة طلاق لها ظروفها الخاصة، لكن تكرار الظاهرة يدفعنا إلى مراجعة الواقع الاجتماعي والثقافي والاقتصادي الذي يحيط بالأسرة.
فالطلاق لا يبدأ يوم توقيع الأوراق في المحكمة، وإنما منذ اللحظة التي يدخل فيها زوجان الحياة الزوجية دون استعداد كافٍ لمعنى الشراكة وتحمل المسؤولية. فكثير من الزيجات تُبنى على العاطفة وحدها، بينما تحتاج الحياة الأسرية إلى الحوار، والصبر، والتفاهم، والقدرة على إدارة الخلافات، وهي مهارات لا تقل أهمية عن الحب نفسه. كما يدخل بعض الأزواج حياتهم الزوجية بتوقعات مثالية لا تشبه الواقع، ثم يكتشفون أن الزواج ليس كما تُصوّره وسائل التواصل الاجتماعي، بل شراكة تقوم على الصبر، والتنازل، والاحترام المتبادل.
ومع تعقيدات الحياة المعاصرة، أصبحت الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة عاملًا يزيد من حدة الخلافات. ولا يمكن إغفال ما يرافق بعض الزيجات من تكاليف مالية كبيرة ترهق الزوج قبل بداية الحياة الزوجية؛ فالمبالغة في المهور، وارتفاع تكاليف القاعات، والتجهيزات، ومتطلبات حفلات الزواج، قد تجعل بعض الشباب يبدؤون حياتهم الزوجية بأعباء مالية وضغوط نفسية، بدلًا من أن يبدأوها بالاستقرار والطمأنينة.
ومع مرور الوقت، قد تتحول هذه الضغوط إلى خلافات تؤثر في العلاقة الزوجية إذا غاب الحوار والتفاهم بين الطرفين. وفتحت مواقع وسائل التواصل الاجتماعي أبواب المقارنات، والشكوك، وسوء الظن، حتى أصبحت بعض البيوت تتأثر بما يُنشر على الشاشات أكثر مما تتأثر بالحوار بين أفرادها.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أسباب أخرى أكثر خطورة، مثل ضعف الوعي بالحقوق والواجبات الزوجية، وضعف الوازع الديني الذي يشكل الضمير الحارس للعلاقة الزوجية، إلى جانب تدخل بعض الأسر في حياة أبنائها بصورة تؤجج الخلافات بدلًا من احتوائها. كما أن الخيانة الزوجية، سواء كانت في الواقع أو عبر العالم الرقمي، أصبحت من أكثر الأسباب التي تهدم الثقة بين الزوجين، في حين يظل تعاطي المسكرات والمخدرات من أخطر العوامل التي تهدد استقرار الأسرة، لما يجره من عنف، وإهمال، وضياع للمسؤولية، فتكون الأسرة أول الضحايا.
والمفارقة التي تستحق التوقف عندها أننا ننفق الكثير على مصاريف الزواج، ونهتم بأدق تفاصيل الاحتفال، بينما لا نستثمر بالقدر نفسه في تأهيل شابين سيُطلب منهما بناء أسرة قد تستمر لعشرات السنين. نُعدّ لترتيبات الزواج أكثر مما نُعدّ للحياة الزوجية نفسها، وربما نضع أحيانًا على كاهل الزوج أعباء مالية تبدأ قبل أن يبدأ طريق المسؤولية الحقيقية، ثم نتساءل بعد ذلك عن أسباب الضغوط والخلافات. فنجاح الزواج لا تصنعه ليلة العمر وحدها، بل تصنعه الثقافة، والوعي، والاحترام المتبادل، والإحساس بأن الزواج مسؤولية قبل أن يكون مناسبة اجتماعية. ومن الضروري ترسيخ ثقافة الحوار، وإدارة الخلاف، وفهم الحقوق والواجبات لدى الزوجين منذ بداية حياتهما المشتركة.
ومن هنا، فإن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالاكتفاء بنشر الإحصاءات أو تبادل الاتهامات، وإنما تبدأ بالاستثمار في الوقاية قبل العلاج. فالحاجة اليوم أصبحت أكثر إلحاحًا إلى برامج تأهيل جادة تكون إلزامية للمقبلين على الزواج، وتفعيل الإرشاد الأسري، وتعزيز دور المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية في ترسيخ ثقافة الأسرة، ونشر الوعي بمخاطر المخدرات والمسكرات، وتعزيز القيم الدينية والأخلاقية التي تحفظ الحقوق وتصون البيوت، مع ترسيخ القناعة بأن الزواج مسؤولية ورسالة، وليس مجرد مناسبة اجتماعية.
إن ارتفاع حالات الطلاق لا يعني أن الأسرة العُمانية فقدت تماسكها، لكنه رسالة تستحق أن نتوقف عندها بصدق، وأن نراجع أنفسنا قبل أن نراجع الأرقام. فنجاح أي مجتمع لا يُقاس فقط بما يحققه من إنجازات اقتصادية أو عمرانية، بل أيضًا بقدرته على بناء أسر مستقرة تُنشئ أبناءً يحملون قيم المسؤولية والانتماء. فالبيت هو المدرسة الأولى للمجتمع؛ فإذا استقر، استقر المجتمع، وإذا اهتز، فلن يكون الخاسر زوجًا أو زوجة فحسب، بل وطنًا بأكمله يدفع ثمن تصدع أسرته.
