الحرب الكبرى والمأزق الأمريكي

حاتم الطائي

 

 

ترامب وشيطانه نتنياهو قرّرا الضغط على زناد الحرب مُجددًا

التطورات الحالية ممهدات لحرب كبرى تُهدد بحرق الأخضر واليابس بالمنطقة

لا يجب ادخار أي جهد لاحتواء هذه الحرب الكبرى قبل تفاقم كلفتها

 

ما نشهده هذه الأيام لا يُمكن قراءته على أنه مجرد تصعيد عسكري أمريكي صهيوني ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وإنما هو ممهدات لحرب كبرى تُهدد بحرق الأخضر واليابس في المنطقة، حرب تقودها الصهيونية العالمية؛ لخدمة أهدافها التآمرية على الشعوب، والرغبة في السيطرة على الثروات ومقدرات الأوطان، والسعي نحو إضعاف القوى الإقليمية والعالمية، والحفاظ على قوة أحادية تتمثل في الولايات المتحدة، ومن ورائها دولة الكيان الصهيوني.

الحرب الكبرى التي بتنا نستشرف مخاطرها تتخذ من الأزمة الإيرانية منطلقًا؛ إذ لا مبرر منطقيًا لما حدث من تصعيد مفاجئ بعد أسابيع قليلة من إبرام مذكرة التفاهم بين أمريكا وإيران، لكن، في المقابل، كان لصقور الإدارة الأمريكية، المدفوعين من اللوبي الصهيوني، رأي آخر، وكان للرئيس الأمريكي دونالد ترامب توجهٌ مخالفٌ تمامًا لمذكرة التفاهم، في انتهاك صارخ لهذا الاتفاق الذي كنا نظن أنه نزع فتيل الحرب الكبرى، إلّا أن ترامب وشيطانه بنيامين نتنياهو قرّرا الضغط على زناد الحرب مجددًا، واستعادة مشاهد حرب الأربعين يومًا؛ فالقصف الأمريكي على إيران لا يتوقف، وفي المقابل تواصل إيران الرد على الأهداف الأمريكية في المنطقة، وفي أتون هذا الصراع تجد دول المنطقة، وفي المقدمة دول الخليج، نفسها في مرمى النيران، بسبب القواعد العسكرية الأجنبية على أراضيها، ما يبرهن صحة الطرح الذي نؤكده منذ سنوات، وزادت مصداقيته في هذه الحرب، وهو أن هذه القواعد لا تمنح دول المنطقة الحماية، ولا توفر لها الأمن والأمان والاستقرار، وإنما هي السبب الرئيس والأبرز فيما تتعرض له من مخاطر عسكرية.

لا يُمكن أن يجادل أحدٌ في أن أمن الأوطان مسؤولية مؤسساتها العسكرية والسيادية، وأن حماية حدود الوطن والذود عن حياضه حملٌ ثقيل لا يقوى عليه سوى المخلصين من أبناء الوطن، ولا عاقل يقول إن حمايةً أجنبية قادرة على توفير الأمن المفقود!

وترامب ونتنياهو يُدركان هذه الحقائق جيدًا، ولذلك يُقامران بأمن الخليج واستقرار دُوَلِهِ؛ لتحقيق مآربهما الشريرة؛ فلا يجب أن ننسى أو نتغافل عن مخطط نتنياهو الذي يُسميه "الشرق الأوسط الجديد"، وأحلام التوسع الاستعمارية التي تُراود هذا الشيطان، ورغبته في السيطرة على ممرات التجارة البحرية والبرية، تحت مزاعم "التعاون الاقتصادي" مع بعض الدول التي استهوتها الأفكار الصهيونية، وظنت أن إسرائيل قادرة على حمايتها وتوفير الأمن لها، غير مدركة أن دولة الكيان المحتل لا يعنيها سوى مصالحها التي تخدم الفكر الصهيوني الإجرامي.

ترامب ونتنياهو يسعيان إلى إشعال فتيل الحرب الكبرى؛ لضمان إضرام النيران في جميع أنحاء منطقتنا، وما الأحداث المتصاعدة أخيرًا سوى دليل على ذلك؛ فالطائرة المُسيَّرة التي ضربت إحدى السفن الأمريكية في ميناء دمياط المصري، وكذلك القصف الأوكراني لسفينة إيرانية مدنية في بحر قزوين أثناء توجهها إلى ميناء روسي، حادثتان ربما تمثلان الشرارة الأولى لاتساع نطاق الحرب، وانزلاق الأوضاع إلى مواجهة كبرى، تجمع دولًا لم تكن أصلًا منخرطة في الصراع، وهذا ما يريده ترامب ومجرم الحرب نتنياهو.

وما يُعزز هذه الفرضية الحرص الأمريكي على عسكرة المنطقة، بدءًا من البحر المتوسط، مرورًا بالبحر الأحمر وباب المندب، ثم بحر العرب وبحر عُمان والخليج العربي. هذه العسكرة، وهذا التحشيد العسكري غير المسبوق، يؤكدان أن ثمَّة مواجهة كبرى تستعد لها واشنطن وتل أبيب؛ فإلى جانب التمركزات العسكرية الأمريكية المعروفة في الخليج والمحيط الهندي، تكشف المصادر الصحفية الأمريكية أن أسطولًا من السفن موجود في بحر العرب على مقربة من إيران، يضم حاملتي طائرات، وأكثر من 15 سفينة حربية أخرى، من بينها 11 مدمرة حربية. هنا نحن لسنا أمام حضور عسكري في المنطقة، وإنما أمام جيوش ضخمة تمهِّد الطريق نحو المواجهة العسكرية الكبرى.

وهنا لا يجب أن نفصل هذه التطورات عن التصريحات التي أدلى بها قائد مقر خاتم الأنبياء المركزي الإيراني، الذي أكد أن أمريكا تسعى لإشعال فتيل حرب شاملة في المنطقة، معتبرًا أن "هذا النهج نتاجُ استراتيجية خطيرة تهدف إلى التوسع والهيمنة غير المشروعة في جميع أنحاء المنطقة". وأي تحليل منطقي هنا، وفي ظل تاريخ هذا الصراع، يكشف بجلاء أن الصراع أشعلته الصهيونية في الأساس، بينما نصَّبت الولايات المتحدة نفسها حاميةً وضامنةً لأمن إسرائيل، وسخَّرت الجيش الأمريكي ليكون درعًا دفاعيًا لدولة الاحتلال المجرمة.

ولذلك أعلن الرئيس الأمريكي اعتزام الولايات المتحدة شن هجمات عنيفة على إيران اليوم أو غدًا، في انتهاك صارخ لمذكرة التفاهم وللقانون الدولي الذي دعسه ترامب بأقدامه. مكمن الخطر في هذه الضربات المحتملة أنها سوف تستهدف منشآت الطاقة، وهي مواقع مدنية تخدم الشعب الإيراني، ولا علاقة لها بالعمليات العسكرية، وفي حال قصفها يكون ترامب قد ارتكب جريمة حرب لا تُغتفر، ستقوده إلى المحكمة الجنائية الدولية، وسيفتح بذلك الباب أمام إيران للرد على مثل هذا العدوان الغاشم. ومن المدهش أن ترامب يعلم يقينًا أن إيران سترد بقصف منشآت طاقة ومصالح أمريكية حيوية في الخليج، حال تنفيذ هذه الهجمات، ما يؤكد عدم اكتراث ترامب بأمن الخليج ولا أمن الطاقة العالمي.

هذه التطورات الخطيرة تأتي بعيد الاجتماع الذي عقده ترامب ونتنياهو في واشنطن قبل أيام، وهي المرة التاسعة التي يزور فيها نتنياهو العاصمة الأمريكية خلال 18 شهرًا، أي نحو عام ونصف العام. وقد برهنت الأحداث أن حربًا تندلع في أعقاب كل زيارة لهذا المجرم الصهيوني؛ إذ إنه عادة ما يحمل خططًا عسكرية وبنك أهداف حربيًا يسعى لتنفيذه. ولذلك نؤكد دائمًا أن الولايات المتحدة لم تعد -كما كان سابقًا- تتحكم في القرار الإسرائيلي، وإنما العكس؛ باتت تل أبيب تُدير شؤون البيت الأبيض في واشنطن، وأصبحت الكلمة الأولى والأخيرة لنتنياهو واللوبي الصهيوني، وليس لترامب، ولا للحزب الجمهوري، أو حتى الديمقراطي.

والهجمات الأمريكية المرتقبة -سواء بمشاركة إسرائيل علنًا أو عدم المشاركة- تفتح المجال أمام الحرس الثوري الإيراني لتصعيد عملياته العسكرية ردًا على العدوان الأمريكي، ما يُقلِّص فرص الدبلوماسية والمفاوضات، ويُنهي آمال التوصل إلى اتفاق دائم ومستدام يكتب السطر الأخير لهذه الحرب الأمريكية الهمجية.

ولذا لا يجب ادخار أي جهد لاحتواء هذه الحرب الكبرى قبل تفاقم كلفتها، وتضاعف تداعياتها المخيفة على البشرية، خاصةً أنها ليست حربًا عسكرية وحسب، وإنما ذات بُعد اقتصادي، يُهدد بفناء الاقتصادات، ودمار البنى التحتية في أنحاء متفرقة من العالم، وانهيار أمن الطاقة العالمي، وتفاقم شح المياه، وعجز الموارد.

ويبقى القول.. إنَّ استمرار التصعيد العسكري الأمريكي الصهيوني في المنطقة يُنذر بتفاقم الأوضاع لمستويات غير مسبوقة، ويضع الإقليم والعالم على شفا حرب عالمية لن تقل في كارثيتها عن الحربين العالميتين الأولى والثانية؛ بل ستكون أشد وطأة ووبالًا على البشرية، في ظل التطور المرعب في أدوات الحرب والدمار، وهذه الحرب ستأكل نيرانها جميع الدول، ولا يمكن التنبؤ بمخاطرها، ولا بأبعادها الاستراتيجية، ولن تنجح الدبلوماسية في إطفاء الحرائق الناجمة؛ إذ ستسود لغة العنف والدمار، وربما تنزلق الدول واحدة تلو الأخرى في مستنقع الحرب، وسينهار الاقتصاد الأمريكي، ومن ورائه الاقتصاد العالمي، ولا نستبعد تفشي مجاعة عالمية نتيجة نقص الحبوب والأسمدة التي تُنتجها الدول المتصارعة، وحينئذٍ ستكون النهاية!!

والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

الأكثر قراءة

z