أهمية البعثة الدبلوماسية للاتحاد الأوروبي بمسقط

 

 

حيدر بن عبدالرضا اللواتي

haiderdawood@hotmail.com

خلال العقود الماضية، استضافت سلطنة عُمان العديد من المكاتب الدبلوماسية والأممية بالعاصمة مسقط لتعزيز العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والاجتماعية والصحية مع دول العالم. ومؤخرًا وقّعت سلطنة عُمان مع الاتحاد الأوروبي على اتفاقية إنشاء بعثة دبلوماسية للاتحاد الأوروبي بمسقط، والتي يرى البعض أن وجودها لا يعد فقط مجرد تواجد مكتب دبلوماسي جديد، بل إنه يعكس تطورًا في مكانة السلطنة ودورها الإقليمي في المنطقة وخارجها، خاصة أن المنطقة الخليجية تشهد اليوم تطورات وتداعيات سياسية وعسكرية واقتصادية ناجمة عن الحرب التي أشعلتها إسرائيل مع الولايات المتحدة الأمريكية لإسقاط النظام بجمهورية إيران الإسلامية منذ نهاية شهر فبراير من العام الحالي وحتى اليوم.

فهذه البعثة الدبلوماسية الجديدة تحمل دلالات سياسية واقتصادية واستراتيجية يمكن أن تمتد فوائدها إلى بقية دول مجلس التعاون الخليجي في المستقبل أيضًا، وسوف تمثّل الاتحاد الأوروبي كمؤسسة واحدة، وليس كدولة أوروبية معينة، حيث ستتولى إدارة العلاقات السياسية مع الحكومة العُمانية، وتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري، بالإضافة إلى التنسيق في قضايا الأمن والطاقة والاستقرار الإقليمي، ودعم التعاون العلمي والثقافي والأكاديمي، بجانب تمثيل مواقف الاتحاد الأوروبي في القضايا الدولية. وبذلك تصبح مسقط مركزًا مباشرًا للحوار بين سلطنة عُمان ودول الاتحاد الأوروبي.

ولا شك أن السلطنة ودول المنطقة سوف تجني فوائد هذا التعاون من حيث جذب المزيد من الاستثمارات الأوروبية، باعتبار أن وجود البعثة سوف يسهّل التواصل اليومي مع الشركات الأوروبية، ويزيد من ثقة المستثمرين في السوق العُمانية والخليجية أيضًا، وفي عدة قطاعات حيوية تشمل الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، بجانب التعاون في قطاعات الموانئ والخدمات اللوجستية والصناعات التحويلية والاقتصاد الرقمي. وهذا يتماشى مع الأهداف التي رسمتها رؤية عُمان 2040. كما أن وجود البعثة سوف يعمل على تعزيز مكانة عُمان السياسية، إيمانًا من دول العالم بأن اختيار مسقط لاستضافة هذه البعثة يعكس ثقة الاتحاد الأوروبي في السياسة الخارجية العُمانية القائمة على قضايا مهمة، أبرزها الحياد الإيجابي لعُمان في الكثير من القضايا التي تهم العلاقات الدولية، وقوتها في الحوار والوساطة الدبلوماسية، بالإضافة إلى مساعيها الحثيثة في بناء السلام الحقيقي، الأمر الذي سينعكس عاجلًا أو آجلًا على دعم الحوار في المنطقة، بالإضافة إلى دعم القضايا الاقتصادية الوطنية، وزيادة التبادل التجاري، وتشجيع الشركات الأوروبية على اتخاذ عُمان مركزًا إقليميًا لمؤسساتها وشركاتها، بالإضافة إلى توفير فرص عمل للعُمانيين، وتعزيز مجالات التدريب والتعليم ونقل التكنولوجيا والخبرات. كما سينعكس هذا التعاون على مجالات التعليم والبحث العلمي المشترك، والابتكار والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وتعزيز الشراكة الخليجية الأوروبية، حيث يُعد الاتحاد الأوروبي من أكبر الشركاء التجاريين لدول الخليج، الأمر الذي سوف يساعد على تسريع الحوار الاقتصادي، وتقريب وجهات النظر، وتطوير اتفاقيات التعاون، ودعم أمن الملاحة والطاقة، ومكافحة القرصنة، وغسل الأموال، وتعزيز سياسات الدول الخليجية في تنويع مصادر اقتصاداتها، والتعاون في مكافحة التغير المناخي.

إن اختيار مسقط لتواجد البعثة الدبلوماسية للاتحاد الأوروبي يعزى إلى عدة أسباب، أهمها الموقع الجغرافي الذي تتمتع به البلاد على عدة بحار دولية والمحيط الهندي، بالإضافة إلى السياسة الخارجية المتوازنة لسلطنة عُمان مع كافة دول العالم، والعلاقات الجيدة مع مختلف الأطراف الإقليمية، والثقة الدولية في الدور العُماني في الوساطة، خاصة في القضايا التي تهم الحرب الدائرة بالمنطقة، في حين يمثّل قيام الاتحاد الأوروبي بتأسيس هذه البعثة اعترافًا بالدور الدبلوماسي المتنامي لعُمان، ورغبة أوروبية في تعزيز الحضور في الخليج، بالإضافة إلى اهتمام أوروبا بأمن الطاقة والممرات البحرية، ودعم الشراكات الاقتصادية طويلة الأجل.

ومن المنظور الاستراتيجي، يشكّل هذا الوجود الدبلوماسي خطوة نحو شراكة خليجية-أوروبية أعمق، خاصة في ظل التحولات العالمية المتعلقة بأمن الطاقة، وسلاسل الإمداد، والتحول الأخضر، والاقتصاد الرقمي، وهي مجالات تتقاطع مع أولويات دول مجلس التعاون ورؤاها التنموية خلال العقود المقبلة.

إن وجود هذه البعثة، كما عبرّت عنه السلطنة، يجسّد التطور النوعي لعمق الشراكة المتنامية بين الاتحاد الأوروبي وسلطنة عُمان، ويعكس التزامهما الراسخ بالارتقاء بمستوى التعاون وفتح آفاق جديدة في مجالات تعاون متعددة خلال المرحلة المقبلة، حيث سيضطلع كل منهما بدور فاعل في تعزيز دعائم السلام والأمن والازدهار في المنطقة وخارجها.

الأكثر قراءة

z