د. محمد بن عوض المشيخي**
كانت أيام الأسبوع الماضي استثنائية بكل المقاييس؛ تختلف في أحداثها الدراماتيكية عن غيرها من الأيام التي مرت علينا؛ لأنها كُتبت بأحرف من نور من أصحاب الهمم العالية والموسومين بالكرم الحاتمي، الذين يجودون بأموالهم من أجل إنقاذ الآخرين؛ حتى وإن غابت صلة القرابة بينهم، فإن ما يجمعنا هو رابط الوطن والإنسانية، فهؤلاء الكرماء يختلفون عن غيرهم في كل شيء؛ فهم أناس قدموا إلينا من عالم آخر، من الصعب وصفهم أو حتى مقارنتهم بأقرانهم؛ إنهم أشخاص وُجدوا للتضحية بما يملكون بلا تردد، على الرغم من غريزة حب المال وكنزه والاحتفاظ به للأيام القادمة؛ باعتبار ذلك غريزة إنسانية تجبر الكثير منا على امتهان البخل والامتناع عن التصدق على الفقراء والمحتاجين، بل وحتى إخراج فريضة زكاة المال المفروضة من سبع سماوات إلى مستحقيها من المعدمين والمحتاجين في المجتمع.
إنها ملحمة وطنية تعبر عن تماسك المجتمع العماني بمختلف شرائحه، من صرفيت جنوبًا إلى مسندم شمالًا؛ وهذا يذكرنا بمواقف هذا المجتمع عبر التاريخ؛ من حيث الكرم وإغاثة الملهوف ومساعدة المحتاجين في أرجاء الوطن المعطاء الغبيراء، بل وحتى في الدول المجاورة لعُمان إذا تطلب الأمر ذلك. ولعلنا نتذكر جميعًا إعصار "شاهين" الذي ضرب ساحل الباطنة في عام 2021؛ حيث سجل أبناء هذا الوطن أروع الأمثلة وأجمل لوحة في التعاضد بين المواطنين.
وعند كشف النقاب عن أصحاب الأيادي البيضاء في هذه الحملة الوطنية التي تستهدف إنقاذ الطفلين (أحمد العجمي وسالم الشيدي)، اللذين يعانيان من مرض نادر، وهو "ضمور العضلات"، وله علاج بالحقن، لكن تكلفة الحقنة الواحدة منه حوالي مليون ريال عُماني؛ بحيث تكفي حقنة واحدة لعلاج هذا المرض الجيني الخطير، الذي يمكن أن يؤدي إلى الموت أو الشلل الكامل أو ضمور الجسم؛ هنا يتجلى اسم الشيخ سالم بن مستهيل المعشني في مقدمة الصفوف؛ والذي ضرب الرقم القياسي في السقف المالي المدفوع، ولكنه لا يرغب هو شخصيًا بذكره؛ حيث أغلقت الصناديق واكتملت المبالغ المطلوبة عند نزوله إلى ميادين العطاء بلا حدود في مدينتي صلالة وصحم؛ لكونه انطلق من مبدأ وسجية متأصلة في أسرته، ومتلازمة فيه شخصيًا منذ الطفولة؛ فقد أصبح الكرم مرادفًا ومرافقًا له أينما حل؛ فهذه سجية من سجايا أبي طارق؛ فأتذكر كلما زرته في مكتبه أو التقيته في المسجد المجاور لمنزله وجود تلك الطوابير من الناس المحتاجين، الذين ينتظرونه بفارغ الصبر لفك كربهم؛ وذلك بالحصول على المساعدات النقدية، أو التوظيف في الشركات التي يشرف عليها، أو التدخل لدى الجهات الحكومية، لعلهم يحظون بالعمل الذي يكفل لهم مصدر رزق على يد هذا الإنسان الفريد في أخلاقه وحبه لمساعدة الآخرين.
لقد شاهدنا جميعًا البعد الإنساني المتمثل في رد الفعل والانطباع العام للطفلين (أحمد وسالم) عند علمهما باكتمال المبالغ التي تم جمعها من مختلف مناطق السلطنة؟
قال الله تعالى: ﴿ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا﴾؟
وبالفعل هزت تلك المشاعر التلقائية الوجدان الإنساني، واختلطت دموع الفرح بمشاعر الأمل، عسى الله أن يكتب للطفلين المريضين حياة جديدة؛ فبدون تلك الملايين التي جاد بها الأكرمون، قد نخسر هذه الأرواح الطاهرة، وعسى أن يكتب لهما عمرًا ومستقبلًا جديدًا مثل الطفل سليمان المسكري، الذي سبق له أن تم علاجه من نفس المرض (ضمور العضلات)، فهو الآن ينعم بالصحة والعافية بفضل الله، ثم تلك الحقنة السحرية التي تم جلبها من أمريكا قبل عدة سنوات.
لا شك بأن هذا المقال لا يتسع لكل الذين تبرعوا لهذه الملحمة الوطنية؛ ولكن لا يمكن تجاوز أسماء وازنة أثقلت الموازين بكرمها الحاتمي وعطائها الذي لا ينقطع مثل الشلال المنهمر من عالي الجبال؛ إذ عرفت بالسخاء والجود بالغالي والنفيس؛ ومن هنا تصدرت أسماؤهم المنصات جميعًا، وغطت كل حالات النشر المقرونة بصور الفرسان الثلاثة هواتف المجتمع العماني من رجال ونساء، حتى وصلت إلى التريند العالمي؛ وهم الشيوخ الأجلاء: خالد بن مستهيل المعشني، وعثمان بن سعيد رعفيت، وأحمد بن علي حويرار المعشني. فالشيخ عثمان رعفيت ارتبط اسمه بالمواقف الإنسانية منذ فترة طويلة، فيجود بكل ما يملك بلا تردد؛ ومن روائع أبي معمر التي لا تنسى فك أسر السجناء وبناء البيوت للفقراء منذ زمن بعيد؛ فقد قابلت بالصدفة أسرة من مدينة حوف اليمنية على حدود السلطنة الشهر الماضي؛ إذ قدموا لعلاج طفلهم الذي لا يتجاوز عمره عدة شهور، ويعاني من مرض نقص النمو؛ فقد تكفل عثمان بعلاج الطفل المريض، وكذلك استئجار شقة لإقامة الأسرة؛ وذلك بعد أن امتنع مستشفى السلطان قابوس عن تقديم العلاج المجاني لهذا الطفل.
لا شك بأن أروع درجات التضحية والكرم قد سطرها هؤلاء الذين تبرعوا بما يملكون من السيارات والنوق؛ على الرغم من عدم امتلاكهم غيرها؛ فقد شاهدنا العديد من أفراد هذا الوطن الغالي يترجلون من سياراتهم ويضعون مفاتيحها في أيدي لجان جمع التبرعات لوضعها في المزاد؛ ثم يذهبون على الأقدام إلى الشارع؛ وفي واقع الأمر لم يسبقهم أحد إلى هذا الجود بالموجود وتفضيل غيرهم على أنفسهم؛ فطوبى لهؤلاء الذين يدركون جيدًا حديث معلمنا الأول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «ما نقص مال من صدقة».
وفي الختام؛ نهنئ فريق صلالة التطوعي على نجاحه الكبير وغير المسبوق في إدارة هذه الملحمة الوطنية الفريدة؛ والأهم من ذلك كله اتباعه المنهجية العلمية في تطبيق معايير الشفافية المالية والكشف الفوري عن المبالغ التي تصل من المتبرعين؛ وذلك من خلال التنسيق والتعاون الكامل مع وزارة التنمية الاجتماعية.
وفي نهاية هذه السطور العابرة؛ أتذكر عبارة تتكرر على مسامعنا ونحن أطفال من الآباء والأجداد في ظفار، والتي مفادها: «جمائل العطاء لا تنتظر التأخير»، وبالفعل هي السر والمفتاح السحري لهذا النجاح.
**أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري.
