بعد 105 أعوام.. كيف واصل الحزب الشيوعي الصيني فتح آفاق جديدة للتحديث؟

 

 

 

تشو شيوان

في الأول من يوليو العام الجاري، يحيي الحزب الشيوعي الصيني الذكرى الـ105 لتأسيس الحزب. وفي الكلمة التي ألقاها بهذه المناسبة، أكد الرئيس الصيني شي جين بينغ أن الحزب، على مدى 105 أعوام من النضال، لم يغيّر مستقبل الصين فحسب، بل أسهم أيضاً في فتح آفاق جديدة أمام الدول النامية لاستكشاف مسارات التحديث، ودفع بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية.

وبالنسبة لكثير من المراقبين في العالم العربي، يبرز سؤال جوهري: كيف استطاعت دولة تضم نحو 1.4 مليار نسمة، وتواجه تفاوتاً واسعا في مستويات التنمية بين مناطقها، أن تحافظ على الاستقرار لعقود طويلة، وأن تحقق نموا اقتصاديا متواصلا، وأن تتحول إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم، مع إحراز تقدم لافت في مجالات العلوم والتكنولوجيا والابتكار؟

يكمن الجواب في الطريق الذي اختارته الصين، والمتمثل في التحديث صيني النمط، وهو طريق لا يقوم على استنساخ التجارب الغربية، بل على الانطلاق من الواقع الوطني والاحتياجات الفعلية للشعب الصيني. فالصين تؤمن بأن لكل دولة الحق في اختيار مسارها التنموي وفقا لظروفها الخاصة، وأن التحديث ليس حكرا على نموذج واحد أو حضارة بعينها.

غير أن السؤال الأعمق هو: لماذا نجح الحزب الشيوعي الصيني في قيادة هذه المسيرة؟ وقد قدم الرئيس شي جين بينغ في كلمته بهذه المناسبة إجابة واضحة، مؤكدا أن نجاح الحزب يعود إلى خصائصه المتميزة التي جعلته يحظى باختيار التاريخ وثقة الشعب. ومن أبرز هذه الخصائص التمسك بالحقيقة، والارتباط الوثيق بالشعب، وتحمل المسؤولية التاريخية، والتخطيط الإستراتيجي بعيد المدى، ومواكبة تطورات العصر، والقدرة على مواجهة التحديات، فضلا عن امتلاك روح الإصلاح الذاتي المستمر. ويرى الرئيس شي أن هذه السمات تمثل المفتاح الأساسي لفهم لماذا نجح الحزب الشيوعي الصيني.

وتستند الحوكمة الصينية إلى هذه الرؤية بعيدة المدى، حيث تُترجم الأهداف الإستراتيجية إلى سياسات متواصلة لا تتأثر بالتقلبات قصيرة الأجل. فمن الإصلاح والانفتاح، إلى القضاء على الفقر المدقع، ثم إلى بناء اقتصاد قائم على الابتكار العلمي والتكنولوجيا المتقدمة والتنمية عالية الجودة، واصلت الصين تنفيذ خططها التنموية بثبات، وهو ما أسهم في تحقيق معجزتين طالما لفتتا أنظار العالم: النمو الاقتصادي السريع والاستقرار الاجتماعي طويل الأمد.

ولا يقتصر نجاح التجربة الصينية على المؤشرات الاقتصادية، بل يمتد إلى تحسين حياة المواطنين. فقد نجحت الصين في انتشال نحو 800 مليون شخص من الفقر منذ الإصلاح والانفتاح، وأقامت أكبر منظومة للتعليم والضمان الاجتماعي في العالم، وتواصل اليوم تعزيز الابتكار، وحماية البيئة، وتطوير الاقتصاد الأخضر، وتحقيق التنمية المتوازنة بين المدن والأرياف. وكما أكد الرئيس شي أنَّ الشعب هو صانع التاريخ، وإن التحديث صيني النمط يستمد قوته من الشعب ويهدف في جوهره إلى تحقيق حياة أفضل لجميع المواطنين.

ويتميز التحديث صيني النمط أيضا بأنه يقوم على الانفتاح والتعاون، لا على الانغلاق أو المواجهة. ففي ظل تصاعد النزعات الحمائية والتوترات الجيوسياسية، تواصل الصين توسيع انفتاحها عالي المستوى على العالم، وتعزيز التعاون مع مختلف الدول على أساس المنفعة المتبادلة والفوز المشترك. واليوم أصبحت الصين أكبر شريك تجاري للدول العربية، فيما يشهد التعاون بين الجانبين توسعا متسارعا في مجالات الاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والطاقة النظيفة، والاستثمار، والبنية التحتية، بما ينسجم مع خطط التنويع الاقتصادي والتحول التنموي في العديد من الدول العربية.

ولا ينفصل هذا المسار عن التزام الصين بطريق التنمية السلمية. فقد أشار الرئيس شي في كلمته إلى أن العالم يشهد مرحلة جديدة من الاضطرابات والتحولات، الأمر الذي يجعل التعاون أكثر أهمية من المواجهة، والتنمية أكثر إلحاحاً من الصراع. ومن هذا المنطلق، تواصل الصين الدعوة إلى بناء علاقات دولية جديدة تقوم على الاحترام المتبادل والعدالة والتعاون والمنفعة المشتركة، وتدفع تنفيذ مبادرة التنمية العالمية ومبادرة الأمن العالمي ومبادرة الحضارة العالمية ومبادرة الحوكمة العالمية، بما يسهم في ضخ مزيد من الاستقرار والطاقة الإيجابية في النظام الدولي.

وبالنسبة إلى الدول العربية التي تمضي بخطى متسارعة نحو التنويع الاقتصادي وبناء اقتصادات قائمة على المعرفة والابتكار، لا تكمن أهمية التجربة الصينية في كونها نموذجاً جاهزاً للتقليد، وإنما فيما تقدمه من دروس حول أهمية الاستقرار، والتخطيط طويل الأمد، والاستثمار في الإنسان، والانفتاح على العالم، مع احترام خصوصية كل دولة واختيارها المستقل لمسارها التنموي.

وبعد مرور 105 أعوام على تأسيس الحزب الشيوعي الصيني، لا تقتصر أهمية هذه المناسبة على استذكار الماضي، بل تكمن في استشراف المستقبل. فالصين تمضي بثقة في دفع التحديث صيني النمط، وتؤكد أن التحديث حق لجميع الشعوب، وليس امتيازا يقتصر على عدد محدود من الدول. وانطلاقا من هذه الرؤية، ستواصل الصين تعميق التعاون مع الدول العربية في إطار البناء المشترك عالي الجودة لمبادرة الحزام والطريق، وتعزيز مواءمة إستراتيجيات التنمية، بما يسهم في تحقيق التنمية المشتركة، وترسيخ السلام والاستقرار، وبناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية.

الأكثر قراءة

z