الإعفاء من التأشيرة: كيف تفتح الصين أبوابها أمام العالم

 

 

تشو شيوان

في كل مرة تعلن فيها الصين توسيع قائمة الدول المعفاة من التأشيرة، ينصبّ التركيز غالبًا على الأرقام: عدد الدول، وعدد السياح، وحجم الإنفاق السياحي. لكن، برأيي، فإن القيمة الحقيقية لهذه السياسة لا تكمن في الأرقام وحدها، بل في قدرتها على بناء جسور من المعرفة والثقة بين الشعوب، وهي قيمة يصعب قياسها بالإحصاءات فقط.

لقد تحولت سياسة الإعفاء من التأشيرة خلال الأعوام الأخيرة إلى إحدى أبرز أدوات الانفتاح الصيني على العالم. فمنذ أن بدأت بكين توسيع نطاق هذه السياسة بشكل متدرج، ارتفع عدد الدول المشمولة إلى نحو خمسين دولة، بينها أربع دول خليجية هي: السعودية، وسلطنة عُمان، والكويت، والبحرين، مع السماح بالإقامة لمدة تصل إلى ثلاثين يومًا لأغراض السياحة، والأعمال، والزيارات، والتبادل الثقافي. كما واصلت الصين تطوير سياسات العبور دون تأشيرة، وتسهيل إجراءات الدخول في مختلف المنافذ الحدودية.

وبصفتي كاتبًا صينيًا، أجد أن هذه الخطوة تعكس تحولًا مهمًا في فلسفة الانفتاح الصينية. فالصين لم تعد ترغب في أن يتعرف العالم إليها عبر التقارير الإعلامية أو النقاشات السياسية فقط، بل عبر التجربة المباشرة. فمن يزور بكين أو شنغهاي أو هانغتشو أو هاينان، ويتنقل في القطارات فائقة السرعة، ويستخدم أنظمة الدفع الرقمية، ويتجول في الأحياء التاريخية والأسواق الشعبية، سيكوّن صورة مختلفة وأكثر توازنًا عن الصين المعاصرة.

في رأيي، لا توجد وسيلة أفضل لفهم أي حضارة من زيارتها. فالكتب، والأفلام، ووسائل التواصل الاجتماعي تقدم جزءًا من الصورة، لكنها لا تستطيع أن تنقل تفاصيل الحياة اليومية، ولا طبيعة المجتمع، ولا مستوى التطور الذي تشهده المدن الصينية. ولهذا، فإن إزالة الحواجز الإدارية أمام السفر تمنح ملايين الأشخاص فرصة لاكتشاف الصين بأنفسهم، بعيدًا عن الأحكام المسبقة أو الصور النمطية.

ولعل المؤشرات الأولية تؤكد نجاح هذا التوجه. فقد سجلت منصات السفر ارتفاعًا كبيرًا في عمليات البحث عن الوجهات الصينية بعد توسيع سياسة الإعفاء من التأشيرة، كما ارتفع عدد الزوار الأجانب بشكل ملحوظ، وكان أكثر من نصفهم مستفيدين من هذه السياسة. وفي مقاطعة هاينان وحدها، التي تتمتع بسياسات دخول أكثر انفتاحًا، استفاد معظم الزوار الأجانب من الإعفاء من التأشيرة، بالتزامن مع توسع شبكة الرحلات الدولية، وتحسين الخدمات الرقمية في المنافذ الحدودية.

ومن وجهة نظري، فإن الأثر الأهم لهذه السياسة لا يتعلق بالسياحة فقط، بل بما يمكن تسميته «الدبلوماسية الشعبية». فكل زائر يعود إلى بلاده بعد تجربة إيجابية يصبح ناقلًا لصورة مختلفة عن الصين، سواء تحدث عن الثقافة، أو الضيافة، أو التطور الاقتصادي، أو الأمن، أو سهولة التنقل. وهذه الانطباعات الشخصية غالبًا ما تكون أكثر تأثيرًا من الحملات الإعلامية الرسمية.

كما أرى أن لهذه السياسة بعدًا اقتصاديًا وثقافيًا في الوقت نفسه. فالزائر لا يستهلك الخدمات السياحية فحسب، بل يشارك في المعارض، ويحضر الفعاليات الثقافية، ويتعرف إلى المطبخ الصيني والفنون التقليدية، ويزور الجامعات والمتاحف والشركات، وهو ما يخلق فرصًا جديدة للتعاون في مجالات التعليم، والبحث العلمي، والابتكار، والاستثمار. وتشير دراسات حديثة إلى أن تسهيل التنقل يسهم أيضًا في تعزيز التعاون الأكاديمي والبحثي بين الصين والدول الأخرى.

أما بالنسبة للعالم العربي، فأعتقد أن سياسة الإعفاء من التأشيرة تمثل فرصة مهمة لتعزيز التقارب الحضاري بين الجانبين. فإدراج المملكة العربية السعودية، وسلطنة عُمان، والكويت، والبحرين ضمن قائمة الدول المستفيدة يعكس تنامي العلاقات الصينية الخليجية، ويمنح رجال الأعمال، والطلاب، والسياح، والإعلاميين فرصة أكبر لاكتشاف الصين عن قرب. وبرأيي، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد توسعًا أكبر في التبادل الثقافي والسياحي بين الصين والدول العربية، خاصة في ظل النمو المتسارع للشراكات الاقتصادية، ومبادرة الحزام والطريق، وازدياد اهتمام الشعوب العربية بالتعرف على التجربة التنموية الصينية.

وفي النهاية، أؤمن بأن الانفتاح الحقيقي لا يبدأ من توقيع الاتفاقيات، بل من فتح الأبواب أمام الناس ليتعرفوا إلى بعضهم البعض. فكل رحلة إلى الصين هي فرصة لاكتشاف ثقافة عمرها آلاف السنين، وفي الوقت نفسه فرصة لاكتشاف الصين الحديثة التي تجمع بين التراث والابتكار. وبرأيي، فإن سياسة الإعفاء من التأشيرة ليست مجرد تسهيل لإجراءات السفر، بل رسالة تؤكد أن الحوار بين الحضارات يبدأ بخطوة بسيطة، هي أن يصبح الوصول إلى الآخر أكثر سهولة.

الأكثر قراءة

z