النفوذ العربي وحسابات الصراع في ضوء إعلان واشنطن

 

 

محمد جعفر **

​وقعت الإدارة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، في 19 يونيو بسويسرا، مذكرة تفاهم مكونة من 14 بندًا. وقد أُعلنت تلك التفاهمات قبل التوقيع بيوم واحد؛ لتحسم الكثير من النقاط التي ثار بشأنها جدل واسع بين المحللين ومراكز الأبحاث، إلى حدٍّ اعتبرها فيه بعض المحللين "شيكًا على بياض" وإعلان انتصار لإيران.

​وفيما يلي قراءة متأنية لبعض البنود، وحساب المكاسب والخسائر لكل طرف:

أولًا: تفكيك "لغز الـ300 مليار دولار" وعقدة المضيق

​وضعت البيانات الأمريكية الأخيرة حدًّا للتكهنات وصححت المسار في ملفين هما الأكثر حيوية للخليج:

  • شروط التمويل والشرطية الصارمة: أوضح المسؤولون الأمريكيون (ومن بينهم نائب الرئيس جي دي فانس) الهيكل الفعلي لملف التمويل والأموال المجمدة؛ حيث تبين أن إيران لن تحصل على أي مبالغ ضخمة أو رفع شامل للعقوبات بمجرد التوقيع. كما أعلنت واشنطن أن البندين (السابع والثامن) في المذكرة متطابقان ومترابطان بنيويًّا؛ فلا إفراج عن الأموال المجمدة ولا إلغاء للعقوبات (الأممية أو الأحادية) إلا بناءً على خطوات تنفيذية ومحققة على الأرض في الملف النووي خلال فترة الـ 60 يومًا للتفاوض النهائي. هذا يعني أن المخاوف الخليجية بشأن كون ورقة إعلان المبادئ هي في الواقع "شيك على بياض" لطهران قد تبددت؛ حيث تحول الدعم الاقتصادي المقترح إلى "أداة ضغط ومقايضة خطوة بخطوة" ("Perform-to-Receive").
  • حسم مجانيّة العبور في مضيق هرمز: بعد أن سرت مخاوف من اعتراف أمريكي بفرض إيران "رسوم مرور" أو إدارة منفردة للمضيق، حسمت البنود المعلنة رسميًّا هذا الملف؛ حيث يلزم الاتفاق إيران بإعادة حركة الملاحة التجارية إلى مستويات ما قبل الحرب في غضون 30 يومًا (بعد إزالة الألغام والعوائق التقنية). كما يلزم إيران بضمان المرور الآمن والمجاني بالكامل لجميع السفن التجارية طيلة فترة الـ60 يومًا. كما نصَّ الوثيقة صراحةً أيضًا على أن تدخل إيران في مشاورات مع سلطنة عُمان ودول الخليج؛ لصياغة الإدارة طويلة الأجل للممر المائي وفقًا للقانون الدولي؛ مما يعيد للخليج مقعده الاستراتيجي في إدارة أمنه المائي.

ثانيًا: مستقبل الصراع العربي الإسرائيلي والحديث عن الجبهات

أحدثت الصياغة الرسمية للبند الأول من الاتفاق صدمة حقيقية في الأوساط الأمنية والسياسية الإسرائيلية، حيث جاء النص الحرفي ليعلن: "تعلن الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية وحلفاؤهما في الحرب الحالية، بموجب توقيع هذه المذكرة، الالتزام بالإنهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان".

​هذا الإعلان الرسمي يغير تكتيكات مستقبل الصراع كالتالي:

  1. مأزق اليمين الإسرائيلي وجبهة لبنان: تضمين "لبنان" صراحةً في بند وقف إطلاق النار يمثل نجاحًا للمفاوض الإيراني في فرض "وحدة الساحات" سياسيًّا، ويضع حكومة بنيامين نتنياهو أمام خيارين أحلاهما مرّ:
    • الالتزام بالهدنة: وهو ما يراه اليمين الإسرائيلي انكسارًا عسكريًّا وتثبيتًا لقوة حزب الله على الحدود الشمالية.
    • التمرد على الاتفاق: فقد سارعت تل أبيب لإعلان أنها غير موقعة على المذكرة وتحتفظ بحق الرد، إلا أن مراكز الفكر الغربية -مثل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)- تؤكد أن استمرار إسرائيل في العمليات العسكرية منفردة سيضعها في مواجهة فيتو مباشر وضغوط سياسية غير مسبوقة من إدارة ترامب التي تريد إغلاق ملف الحرب قبل انتخابات التجديدالنصفي الخريف المقبل. غير أن نتنياهو لن يستطيع التوقف على كل الجبهات حتى لا ينتهي سياسيًّا.
  2. التكتيك العسكري في قطاع غزة: رغم أن صيغة "جميع الجبهات" تمنح قطاع غزة مظلة تهدئة شاملة، إلا أن واشنطن أكدت أن التفاصيل الإجرائية المعقدة (ملف الأسرى والانسحاب والترتيبات الأمنية) ستبقى تُدار عبر المسار التفاوضي الخاص (المصري-القطري) مع حركة حماس. الجديد هنا هو أن الاتفاق حرم إسرائيل من الغطاء اللوجستي الإقليمي الشامل؛ فبموجب المذكرة تلتزم واشنطن وطهران بـ"الحفاظ على الوضع الراهن" (Status Quo)، ما يمنع أمريكا من زيادة قواتها في المنطقة أو فرض عقوبات جديدة، مما يقلص من قدرة الردع الهجومية الإسرائيلية ويدفعها نحو القبول بحلول سياسية لملف غزة.

ثالثًا: حزمة التنازلات المتبادلة "الآن" (ماذا قُدِّم في مقابل ماذا؟)

​وفق الوثيقة المعلنة، بُنيت الهدنة المؤقتة (الـ60 يومًا) على معادلة تنازلات دقيقة وفورية:

  • ما قدمته إيران فورًا: الالتزام بتدمير وتفكيك مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب (بنسبة 60%) عبر آلية التخفيف على الأراضي الإيرانية وتحت الإشراف الكامل والمباشر للوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA).
  • ما قدمته أمريكا فورًا: في مقابل التفكيك النووي الفوري وفتح المضيق، وافقت الخزانة الأمريكية على إصدار إعفاءات فورية تتيح لإيران تصدير النفط الخام والمشتقات البترولية وتفعيل الخدمات المصرفية والتأمينية المرتبطة بها؛ وهو تنازل دافعت عنه واشنطن بالقول إن النفط الإيراني كان يتدفق بالفعل إلى الصين بخصومات كبيرة، وأن إضفاء الشرعية عليه الآن يمنح الاستخبارات الأمريكية قدرة أعلى على مراقبة وتتبع حركة الأموال والنفط الإيراني.

في الختام.. تثبت البنود المعلنة أننا لسنا أمام "اتفاق سلام دائم"، بل أمام "هندسة ذكية لهدنة مؤقتة ومسلحة".  لقد أثبت النفوذ العربي الخليجي قدرته على المناورة بحرمانه طهران من أي تدفق مالي مجاني ومجبرًا إياها على فتح المضيق بلا رسوم. وفي المقابل، يجد مستقبل الصراع العربي الإسرائيلي نفسه أمام معادلة جديدة كبّلت جموح اليمين الإسرائيلي، وربطت جبهات المنطقة بمسار دبلوماسي واحد، لتصبح الأيام الـ 60 القادمة في سويسرا هي الاختبار الحقيقي لما إذا كان الشرق الأوسط يتجه نحو استقرار بارد أم نحو استراحة محارب قصيرة قبل الجولة المقبلة.

** كاتب وباحث

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z