محمد بن رامس الرواس
تمضي سلطنة عُمان، بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- في ترسيخ حضورها الثقافي العالمي، انطلاقًا من إرث حضاري عريق، ورؤية تؤمن بأن الحوار والمعرفة والتفاهم هي اللغة التي ينبغي أن تجمع الشعوب.
وجاءت كلمة جلالة السلطان في منظمة اليونسكو لتؤكد أن عُمان لا تنظر إلى الثقافة باعتبارها شأنًا محليًا، بل مسؤولية إنسانية مشتركة، ورسالة حضارية تسهم في تعزيز قيم السلام والتقارب بين الأمم. فاليونسكو تُعد منصة عالمية تُبنى فيها جسور التفاهم، وتُصان فيها ذاكرة الإنسانية، ويُحتفى فيها بالإبداع والمعرفة، وتتشارك معها السلطنة منذ عام 1972م في كافة مسارات صون التراث وتنمية القدرات البشرية.
لقد رسم جلالته في كلمته خريطة طريق لعُمان كدولة رائدة في "حماية الإنسانية وتطويرها"، مؤكدًا أن الاستثمار في الإنسان والتراث هو الركيزة الأساسية لبناء المستقبل. ومن هنا، جاء الإعلان عن "جائزة اليونسكو – السلطان هيثم لصون التراث الثقافي غير المادي" ليعكس هذا الالتزام العُماني الراسخ؛ فهي أداة دولية لتحفيز العالم على صون هوياته وتراثه، وتقدير المؤسسات والباحثين الذين يعملون على حفظ هذا الإرث ونقله إلى الأجيال القادمة، فالتراث غير المادي هو الذاكرة الحية للشعوب.
كما عكست الكلمة رؤية استشرافية تربط بين التراث والتنمية المستدامة، مع التزام السلطنة الصارم بالتحول نحو الاقتصاد الأخضر والحياد الصفري الكربوني. ولم يغفل الخطاب التحديات التقنية المعاصرة، حيث دعا جلالته إلى ضرورة وجود أطر أخلاقية تحكم استخدامات الذكاء الاصطناعي وتصون كرامة الإنسان، مؤكدًا أن الثقافة والتنمية وجهان لعملة واحدة.
إن الرسالة الأبرز التي حملها خطاب جلالته تتمثل في أن التعايش بين الأديان والثقافات لم يعد خيارًا، بل ضرورة استراتيجية لتحقيق الأمن والسلام الدوليين. فالعالم اليوم، وهو يواجه تحديات متزايدة، أحوج ما يكون إلى ترسيخ ثقافة الاحترام المتبادل، وقبول الآخر، والانفتاح على التنوع الإنساني، بوصفها الطريق الأمثل لبناء عالم تسوده العدالة.
إن كلمة جلالة السلطان هيثم -حفظه الله- في اليونسكو تتجاوز حدود الخطاب الدبلوماسي؛ فهي تعبير عن استمرارية الدعم العُماني للمنظمة كشريك في التعليم، وحماية البيئة، وصناعة السلام. فكل موقع تراثي يُصان، وكل حوار يُبنى على الاحترام، هو خطوة نحو عالم أكثر أمنًا واستقرارًا.
إن مستقبل العالم لن تصنعه القوة وحدها، وإنما تصنعه أيضًا قوة الفكرة، وعمق الثقافة، وحكمة الحوار. ومن هذا المنطلق، تواصل السلطنة أداء دورها بوصفها شريكًا للثقافة، وشريكًا للإنسانية، مستندة إلى تاريخها، ومنطلقة نحو المستقبل بثقة، لتؤكد أن الاستثمار في الثقافة هو الاستثمار الأسمى في مستقبل الشعوب والأمم.
