حكاية المليار!

مدرين المكتومية

في إحدى المدن البسيطة، ثمَّة قصة ظل الناس يتداولونها حول تاجر قمح جشع، لا يراعي في الله إلًّا ولا ذمّة. كان معروفًا عنه امتلاك الكثير من مخازن هذا المحصول الاستراتيجي، والخاص به دون غيره، وكلما عانت الأرض من الجفاف والقحط، أخفى محاصيل الحبوب واكتنزها لنفسه، ثم يُقنع سكان المدينة البسطاء أن الندرة وشح المحاصيل إنما هو قدر إلهي لا مفر منه؛ بل ولا يجوز الاعتراض عليه!

ومع مرور الزمن، وكثرة فترات الجفاف والاكتناز على السواء، ازداد الأغنياء ثراءً، وظل البسطاء يعيشون على الفتات والخوف والقلق الدائم مما تُخبئه الأيام لهم. هذا التاجر الجشع اتصف، بين سكان المدينة، بالذكاء الشديد، لكنه ذكاء محفوف بالخُبث والمتاجرة بأقوات الناس. لقد تعلّم جيدًا كيف يستثمر الخوف في نفوس البشر، فيُحقق الأرباح.

هذه القصة، التي ربما تكررت في كل زمان ومكان، تُعيد تعريف نفسها اليوم تحت نظرية "المليار الذهبي"؛ وهي نظرية تقوم على أن خيرات الأرض ومواردها المتعددة التي حبا الله بها الناس لا تكفي لكل البشر الموجودين، ومن الصعب اقتسامها على هذا العدد الهائل من البشر، وأن القوى الكبرى والعظمى دائمًا ما تقوم، بصورة مباشرة وغير مباشرة، بحصر الموارد والثروات والرفاه في دائرة محدودة من سكان العالم، وهي التي لا تتجاوز المليار الذهبي، في حين يظل باقي الناس، والذين يُنظر إليهم بأنهم إضافة لا أهمية لهم، على هامش الأزمات والحروب والصراعات، وفي دائرة الفقر.

ودائمًا ما تُطرح هذه النظرية على أنها "مؤامرة مطلقة"، إلّا أن الواقع العالمي يقدم الكثير من التساؤلات المشروعة التي لا يمكن تجاهلها؛ فعندما نشاهد انتشار الأوبئة العابرة للحدود، وازدياد رقعة الحروب ومساحتها بصورة متكررة متواصلة، ويليها بعد ذلك أزمات اقتصادية لا تتوقف، وإنما عندما تتعافى بلد، تسقط أخرى، وبالتوالي يتكرر المشهد أمام أعيننا، حتى إننا، خلال السنوات الأخيرة، كل ما نشاهده هو إثقال المجتمعات بالهموم والقضايا والحروب والجرائم والإبادة والأوبئة؛ الأمر الذي يجعلنا نتوقف قليلًا لنُفكِّر: ما الذي يحدث حقًا؟ فكل هذه المواقف والأحداث والحوادث تكشف لنا حجم الفجوة الواضحة والموجودة بين الدول الغنية والفقيرة، وجعلتنا نرى الكيفية التي يُمكن من خلالها أن تتحكم قلة محدودة في أسواق الدواء والطاقة والغذاء والإعلام.

وفي حقيقة الأمر، فإن التوجه الرصين لا يُبنى على التسليم الأعمى لنظريات المؤامرة، ولا يمكنه أن يتجاهل أيضًا أو يُنكر الاختلالات التي يعيشها العالم المعاصر، فكما يعلم الجميع، فإن الحروب عبر التاريخ كانت نتاج نفوذ سياسي أو مصالح اقتصادية. كما أن الأمراض والأوبئة التي تعاني منها، بالتحديد وبكثرة، الدول الفقيرة، فإنها حتى وإن كانت طبيعية أو نتاج إهمال وعدم اكتراث بشري، ورغم وجود وتوافر العلاجات للكثير من الأمراض، كالسكري والسرطان وغيرها، إلّا أن هناك تحكمًا واضحًا في منع الوصول إلى هذه الأدوية وانتشارها بسبب سعرها الباهظ، وهو ما لا يتماشى مع مخطط تقليل عدد السكان، وبسبب ذلك فإنها، مع الوقت، تصبح أداة من الأدوات التي تقوم على إعادة تشكيل موازين القوى والاقتصاد العالمي.

وفي نظريات مثل النظرية التي قدمها توماس مالتوس، التي تُعرف باسم "النظرية المالتوسية"، تقوم الفكرة على زيادة عدد السكان بالمقارنة مع الموارد المتاحة، وهي من النظريات التي أحيت المخاوف القديمة من "الانفجار السكاني"، التي تدفع عددًا من المنظمات العالمية والدول إلى الحديث عن إعادة توزيع الموارد وتقليل الاستهلاك.

ومع ذلك، فإن المشكلة الحقيقية ليست في النظريات بحد ذاتها، وإنما في الشك والهلع والخوف الذي قد يربك الكثير من المجتمعات ويدفعها للاستسلام والانقسام؛ فالعالم قد يُدار بالمؤامرات، ولكنه أيضًا يُمكن أن يُدار بالاقتصاد والعلم والتخطيط والعمل على بناء الإنسان، والدول التي تقوم بالاستثمار والاهتمام بالوعي والابتكار والتعليم قادرة على حماية من يعيشون على أرضها، ومنع اجترارهم نحو التبعية مهما مرت عليهم الأزمات وعصفت بأحوالهم.

إنَّ نظرية المليار الذهبي لربما تكون مجرد فرضية سياسية، غير أنها في جوهرها تُعبِّر عن سؤال إنساني وفلسفي عميق، يتمحور حول الكيفية التي يمكن للعالم من خلالها أن يقوم على تحقيق العدالة وتوزيع الثروات والفرص بكل حيادية وإنصاف، دون التخلي عن المبادئ والقيم الإنسانية التي تُحتِّم علينا النظر إلى الإنسان على أنه إنسان، وله حقوقه قبل كل شيء.

الأكثر قراءة

z