حكايات سلمى (3- 3)

 

 

 

علي بن سالم كفيتان

عندما تتسابق غيمات السحاب إلى الجبال، وتبتل الأشجار الكالحة من موسم القيظ بقطرات كوس الجنوب البارد المحمل بقطرات قادمة من بحر العرب الهادر، تولد حياة جديدة في تلك القرى الهادئة؛ حيث رجال ونساء منتمون إلى الأرض، غير آبهين بما يجري حولهم من عوالم التغيير الذي لا يرحم، يقودون قطعانهم في اتجاهات متضادة، بعضهم ينزحون إلى الشمال بحثًا عن الخيط الفاصل بين المواسم، تظلهم الغيمات القادمة من بعيد، مستمتعين بظهورها واختفائها في سديم الصحراء.

سيارات البيك أب تجوب الشوارع محمَّلةً ببراميل حفظ الماء، وأحواض العلف، وحدايد البيوت والزرائب المتنقلة، وقماش المخيمات. رجل طاعن يقود القطيع، وأبناء يتراكضون لحفظ الحلال من شرور الطرقات. سيارات تقف على الشوارع لتفسح المجال للمواكب القادمة من الجبال. نساء من زمن النور جالسات باعتدال في قمارات الشاص، ممسكات بقبضة الباب العلوية، وبرقع نيلي أنيق يُخفي هيبة السنين. الكل يمشي في حضرتها، وهي تراقب وتُسمِّي الله حتى تصل المحامل إلى السهول، التي أصبحت مكتظة بكل شيء، ومع ذلك لا يزال الريفيون ينزحون على آثار آبائهم الأوائل، مهما بلغت المنافسة على ذات الأرض، وزاد الضجيج، يظلون هم عنوانها الأبرز؛ فالكاميرات لا تجد مبتغاها إلا معهم، وكل من قصد الأرض يجد فيهم قيمة المكان وهوية الزمان.

سلمى لا تزال تقص عليَّ حكاياتها التي لا تنتهي؛ لتروي لي كبرياءها الأزلي.. حكايات عن النزوح، والمطر، والحشرات، والفراشات، والإبل، والرجال، وكثير من الأمور التي تزدحم بها ذاكرتها الخالدة. في هذا المساء الغائم؛ حيث ولدنا وترعرعنا، لا زلنا نبحث عن سر ممالك النمل التي تجعل قطعة من الأرض سوداء؛ كأنها محروقة. كنا نراها في الربيع تجمع فيها بذور الأعشاب، وتكدسها في الفناء. وقبيل الشتاء تختفي كل تلك الكميات إلى جوف الأرض، لتعود الحياة إلى المملكة في الصيف. وفي أول يوم من نجم النعايم، يختفي الجميع إلا الرقعة السوداء التي لا تقوم فيها أي حياة، ولو أمطر الدهر كله.

سألتُ سلمى ما الذي جعل هذه الممالك سوداء غير مُنبتة في ظل ازدهار كل ما حولها؟ كعادتها تُجيبُني بأسطورة قادمة من عوالم الجن؛ فكانت تحذرني من الاقتراب من تلك الممالك، أو غمرها بالمياه، أو إيقاد النيران فوقها، وكنت أمر عليها كمروري على القبور.

سلمى كذلك قصَّت لي قصة حشرة زاحفة أعارت عينيها إلى الأفعى، ومن ثم لم تُعدهما إليها؛ فظلَّت هي عمياء إلى الأبد، تقودها أرجلها البرتقالية الكثيرة إلى الهلاك؛ فأصبحت مثلًا في أريافِنا لمن لا بصيرة له. كنت أقلبها وأنا صغير أبحث عن عينيها؛ لأنني لم أقتنع بالحكاية؛ فوجدت أنها تمتلك ميزة الذهاب في اتجاهين متضادين؛ فعندما تحس مجسَّاتها بالخطر تنطلق إلى الاتجاه المعاكس بكل مرونة، ولكنها فعلًا عمياء. سألت نفسي: من أين أتى الآباء الأوَّلون بحكاية الأفعى الشريرة التي سرقت عيون هذه المسكينة، ولم أجد إجابة؟!

لا يزال بي حنين إلى سلمى، رغم عنادها وعنفوانها وحكاياتها التي لا تنتهي، كلما غابت عني بحثت عنها، أُناديها في الوديان، وتحت الأشجار، وعلى الهضاب. هنا يهزأُ بي قطيع من الأبقار يقضم الأعشاب الطرية، وأجسادها يصعد منها دخان القيظ على وقع المطر. عدتُ في هذه اللحظات إلى طفل صغير أبحث عن أبي في ظلمة الغيم، والمطر يهديني إليه طرقات فأسه من بعيد، جامعًا بعض الحطب لموسم المطر. عندما آتي بخطواتي المرتبكة يناديني بحنوٍ ولطفٍ، يصفني بالمِقدام، وكيف وصلت إليه في هذا المطر والغيم والريح، يمنحني وسام الشجاعة بحمل قطعة خشب على كتفي، عائدًا خلفه إلى الدار.

وفي هذه الأثناء، نسمع سلمى تناديني من بعيد، يُجيبها أبي بكلمتين لا ثالث لهما: "بون شه"؛ أي: "هو هنا"؛ ليختفي صوتها بعد ذلك، ونُكمل المسير دون توقف، نحن الريفيون.

الأكثر قراءة

z