مجيد بن عبدالله العصفور
من عصر الهواة إلى الذكاء الاصطناعي... رحلة تحول امتدت 58 عامًا
كان من المفترض أن أصل إلى لندن في التاسع والعشرين من يونيو، لكن وعكة صحية، وبناءً على نصيحة الطبيب، أخَّرت رحلتي حتى الخامس من يوليو. لم أشعر بالضيق؛ فالأهم أن أدخل إلى "معبد التنس" وأنا بكامل عافيتي، لأتابع بطولة لم تعد تشبه تلك التي عرفتها عندما حضرتها لأول مرة عام 1977.
خلال ما يقارب نصف قرن، لم تتغير أسماء الأبطال فحسب، بل تبدلت فلسفة البطولة نفسها. تغير العشب، وتغيرت القوانين، وتبدلت أدوات التحكيم، وارتفعت الجوائز المالية إلى مستويات لم يكن أكثر المتفائلين يتوقعها. واليوم، تدخل ويمبلدون مرحلة جديدة عنوانها التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
هناك سبعة قرارات مفصلية صنعت هذه التحولات، وغيرت وجه البطولة إلى الأبد.
أولًا: 1968... الاحتراف يفتح أبواب التاريخ
كان قرار السماح للمحترفين بالمشاركة في بطولة ويمبلدون نقطة التحول الأكبر في تاريخ اللعبة. قبل ذلك التاريخ، كانت البطولة حكرًا على الهواة، أما بعده فقد أصبحت الساحة التي يتنافس عليها أفضل لاعبي العالم دون استثناء.
لولا هذا القرار، لما شاهدنا أساطير مثل بيورن بورج، وبيت سامبراس، وروجر فيدرر، ولا الجيل الحالي الذي يتقدمه يانيك سينر وكارلوس ألكاراز.
ثانيًا: 2001... الثورة بدأت من تحت الأقدام
قد يبدو تغيير تركيبة العشب تفصيلًا فنيًا، لكنه في الحقيقة غيَّر شكل اللعبة بالكامل.
اعتمد المنظمون العشب المكون بالكامل من "الرايجراس"، بعد أن كان خليطًا من نوعين مختلفين، فأصبح الملعب أبطأ، وارتداد الكرة أعلى وأكثر انتظامًا.
ومع هذا التغيير، تراجعت مدرسة "الإرسال ثم التقدم إلى الشبكة"، وبرزت مدرسة اللعب من الخط الخلفي، التي أتقنها لاحقًا نوفاك دجوكوفيتش وإيغا شفيونتيك وغيرهما.
ثالثًا: 2009 و2019... المطر لم يعد سيد الموقف
لسنوات طويلة، كان المطر اللندني يعطل البرنامج ويؤجل المباريات. لكن تركيب السقف المتحرك فوق الملعب الرئيسي عام 2009، ثم فوق الملعب رقم واحد عام 2019، أنهى هذه المشكلة نهائيًا.
وأصبحت المباريات تمتد حتى ساعات الليل تحت الأضواء، وتحولت اللياقة البدنية إلى عنصر حاسم لا يقل أهمية عن قوة الإرسال أو دقة الضربات.
رابعًا: 2019... نهاية الماراثونات المفتوحة
لن ينسى عشاق التنس المباراة التاريخية بين جون إيزنر ونيكولا ماهو عام 2010، التي استمرت أكثر من إحدى عشرة ساعة. كانت مباراة استثنائية، لكنها كشفت الحاجة إلى تعديل اللوائح.
ولهذا، اعتمدت ويمبلدون نظام الشوط الفاصل عند التعادل في المجموعة الحاسمة، حفاظًا على عدالة المنافسة وسلامة اللاعبين واحترامًا للجمهور.
خامسًا: 2025... نهاية عصر حكام الخطوط
للمرة الأولى منذ أكثر من قرن وأربعة عقود، اختفى حكام الخطوط من ملاعب ويمبلدون.
حل نظام التحكيم الإلكتروني محل أكثر من ثلاثمائة حكم خط، وأصبحت تقنية "عين الصقر" صاحبة الكلمة الأخيرة.
ومعها، انتهت معظم لحظات الجدل التي صنعت كثيرًا من أشهر مشاهد البطولة عبر تاريخها.
سادسًا: 2026... الفيديو يدخل ويمبلدون
في نسخة هذا العام، تخطو البطولة خطوة جديدة نحو التحكيم الرقمي الكامل.
فقد أصبح بإمكان اللاعبين طلب مراجعة بعض القرارات عبر تقنية الفيديو، في إجراء يعكس حرص البطولة على تقليل هامش الخطأ، وتعزيز العدالة داخل الملعب.
إنها محطة جديدة في رحلة امتدت من التحكيم البشري الكامل إلى الاعتماد شبه الكامل على التكنولوجيا.
سابعًا: الجوائز المالية... أرقام تعكس مكانة البطولة
إذا كانت ويمبلدون قد تغيرت فنيًا وتقنيًا، فإنها تغيرت اقتصاديًا أيضًا؛ فالجوائز المالية تضاعفت بصورة هائلة خلال العقود الأخيرة، حتى أصبحت البطولة واحدة من أكثر الأحداث الرياضية سخاءً على مستوى العالم، بما يعكس النمو التجاري الكبير الذي شهدته رياضة التنس.
من ذاكرة العشب... عندما كسر الشافعي مضرب بورج
وسط الهيمنة المطلقة للسويدي بيورن بورج في سبعينيات القرن الماضي، بقيت في ذاكرتي لقطة لا تُنسى.
كان المصري إسماعيل عدلي الشافعي، أحد أبرز اللاعبين العرب في تلك الحقبة، يواجه بورج بضربات خلفية قوية، حتى انكسر المضرب الخشبي للأسطورة السويدية.
ربما لم تغير تلك اللقطة نتيجة المباراة، لكنها أثبتت أن اللاعب العربي كان حاضرًا في مسرح الأحداث الكبرى، وترك بصمته في ذاكرة البطولة.
وأستعيد أيضًا أيامي في نورث يوركشاير، حين جمعتني الإقامة بالفرنسي الأعسر هنري لوكونت. كانت أحاديثه عن الإرسال الأعسر وضغط الجماهير البريطانية تكشف وجهًا آخر لويمبلدون، لا تنقله شاشات التلفزيون.
وفي نسخة 2026، فلدي بعض التوقعات. على صعيد الرجال، يبدو الإيطالي يانيك سينر المرشح الأبرز لإحراز اللقب، مستفيدًا من استقراره الفني وتألقه على الملاعب العشبية.
لكن من يعرف ويمبلدون جيدًا، يدرك أن استبعاد نوفاك دجوكوفيتش من دائرة الترشيحات مغامرة غير محسوبة؛ حيث إن صاحب الألقاب السبعة يمتلك من الخبرة والقدرة على إدارة المباريات ما يجعله منافسًا خطيرًا متى ما كان في كامل جاهزيته البدنية.
كما قد يمنح غياب كارلوس ألكاراز، إذا تأكد، فرصة أكبر لكل من ألكسندر زفيريف ودانييل مدفيديف للذهاب بعيدًا في البطولة.
أما لدى السيدات، فما زالت البيلاروسية أرينا سابالينكا، والبولندية إيغا شفيونتيك، والكازاخية إيلينا ريباكينا يشكلن مثلث القوة الأبرز، مع إمكانية ظهور مفاجآت من لاعبات شابات يمتلكن الجرأة والطموح.
وأخيرًا.. منذ زيارتي الأولى لويمبلدون عام 1977 وحتى اليوم، تغير كل شيء تقريبًا، إلا شيء واحد بقي ثابتًا... هيبة هذه البطولة. ستبقى ويمبلدون المكان الذي يلتقي فيه التاريخ بالتكنولوجيا، والتقاليد بالحداثة، والموهبة بالإرادة.
ومن الخامس إلى الثاني عشر من يوليو، سأكون هناك، بين ملاعبها العشبية، لأرصد للقارئ كيف تبدو البطولة الأشهر في العالم، بعد سبعة قرارات صنعت تاريخًا جديدًا، وفتحت فصلًا مختلفًا في مسيرة رياضة التنس.
