د. محمود البلوشي
"فلسفة الحياد العُماني.. إجابات الماضي عن أسئلة المستقبل"، هو كتاب للباحث هيثم الغيتاوي، صدر عن مؤسسة الرؤيا للصحافة والنشر، ويسلط الضوء على نهج الحياد الإيجابي للسياسة الخارجية لسلطنة عُمان، التي ترتكز على مبادئ التوازن والشفافية والحياد الإيجابي، ودور السلطنة الرئيس المتمثل في احتضانها لعدد من اتفاقيات السلام الدولية والإقليمية، والدور الإيجابي السلمي في عملية ترسيم الحدود، وحسن العلاقات مع دول الجوار، مما أدى إلى الاستقرار الأمني الإقليمي والدولي، والاستقرار الاقتصادي، وتعزيز التماسك المجتمعي.
إن فلسفة الحياد الإيجابي التي تتبعها السلطنة منذ عهد السلطان الراحل قابوس بن سعيد، طيب الله ثراه، حيث أصبحت السياسة الحيادية من المبادئ الأساسية في السياسة الخارجية العُمانية، وقد اختار السلطان قابوس، بحكمته وواقعيته، أن تظل عُمان بعيدة كل البعد عن الصراعات العسكرية، وسعى لإقامة علاقات متوازنة بناءة مع جميع الأطراف، ونتيجة لذلك أصبحت عُمان وسيطًا موثوقًا به في أزمات مثل العلاقات الأمريكية الإيرانية، وسوريا، واليمن، وفلسطين، لتصبح عقيدة راسخة وإحدى أهم ركائز السياسة الخارجية العُمانية، وتعرف محليًا بـ"دبلوماسية الصبر المدروس"، وتقوم على ثوابت ومبادئ راسخة تتجلى في عدم التدخل في الشؤون الداخلية للآخرين، ورفض التدخل في الشؤون العُمانية.
وفلسفة الحياد الإيجابي مستمدة من السمت العُماني الذي يشكل منظومة متكاملة من القيم والآداب والعادات والتقاليد والهوية الثقافية والفكرية التي تتوارثها الأجيال في السلطنة من جيل إلى جيل؛ فالسمت العُماني هو المنبع والمنبت لفلسفة الحياد الإيجابي؛ لأن الحياد سلوك، والسلوك يُغرس في الفرد، ويُمارس في الحياة العامة، حتى على مستوى البروتوكول المستخدم لممثلي الحكومة العُمانية في الدبلوماسية والسياسة والمراسم والتشريفات، نجد تطبيق السمت العُماني؛ سواء في اللبس العُماني الأصيل، والترحيب بالضيوف، واستقبالهم، وتوديعهم، فهي مراسم وسمت عُماني، وممارسة السمت العُماني في المجالس العُمانية العامة في كافة المناسبات الاجتماعية، ويمارسه رب الأسرة في بيته وفي تربية أولاده.
أما عن التاريخ الإسلامي لفلسفة الحياد الإيجابي، فقد تبلورت فلسفة الحياد الإيجابي في التاريخ الإسلامي عبر مبادئ السياسة الشرعية وتجارب مجموعة من العلماء والمفكرين، آثروا الانعزال عن الصراعات السياسية مع البقاء في حالة تفاعل علمي وأخلاقي، لحماية الأمة وتجنب الانحياز لأطراف الفتنة حفاظًا على الوحدة والاستقرار، وهي سياسة أصيلة تعرف باسم سياسة النأي عن الصراعات والعزلة الإيجابية، وهي تعني عدم الانحياز لأي طرف في الفتن الداخلية، وهذه هي السياسة المتبعة في نظام الحكم في سلطنة عُمان، مع الحفاظ على دور فاعل في حفظ الأمة والوساطة وتقديم الخدمات الإنسانية.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك موقف الصحابة في الفتنة الكبرى عند وقوع الصراع بعد مقتل عثمان بن عفان، رضي الله عنه، اعتمد كبار الصحابة -كسعد بن أبي وقاص، وابن عمر، ومحمد بن سلمة- موقف الحياد الإيجابي، فقد رفضوا حمل السلاح مع أي من الطرفين، معتبرين أنفسهم في موقف محايد يحقن دماء المسلمين، وقد برزت السلطنة في العصر الحديث كأحد أبرز التطبيقات العملية لسياسة الحياد الإيجابي في السياسة الخارجية، التي تستمد جذورها من التاريخ الإسلامي، وتحولت إلى منبر دولي للمفاوضات وحل النزاعات الإقليمية والعالمية، ترسيخًا لمبدأ الإصلاح وحقن الدماء، كما لا ننسى كيفية دخول أهل عُمان الإسلام طواعية وسلميًا عندما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم الصحابي عمرو بن العاص إلى ملكيْ عُمان، وقد اعتنقا الإسلام، ومن بعدهما أهل عُمان، مما دفع النبي إلى الثناء عليهم قائلًا: "لو أن أهل عُمان أتيت، ما سبوك ولا ضربوك".
وفي النهاية، أتقدم بالشكر إلى الأستاذ الصحفي الكبير حاتم بن حمد الطائي، رئيس تحرير جريدة الرؤية، على ما يطرحه من أفكار وطنية تدعم مسيرة التقدم والازدهار في وطننا الحبيب.
