حسين الراوي
أحترم جدًا أولئك الذين يرون أن القهوة في الصباح هي أجمل مقصٍّ يُقصّون به شريط بداية يومهم.
وأحترم أيضًا أولئك الذين يتجهون إلى المقاهي صباحًا لكي يشربوا فنجان قهوة مع أنفسهم.
لا تشرب القهوة ترفًا، ولا من أجل أن تلتقط لها صورًا، بل اشرب القهوة لكي تُنشئ لنفسك مزاجًا جيدًا، ولكي تخرج إلى الشارع وأنت مستعد لتحمّل صفاقة بعض من تلقاهم.
إنها نوعٌ من القسوة أن يكون فنجانك وحيدًا على الطاولة، بلا فنجانٍ آخر يؤنسه.
بعض الأصوات صباحًا لا بد أن نرتشفها كالقهوة؛ لأنها تُضبط المزاج، وتُعدّل خفقات القلب,
أنتِ والقهوة تتشابهان، فكلاكما يُعدّل المزاج ويستفز السهر.
يُهتك عفاف القهوة عندما يُضاف إليها شيءٌ من الحليب أو السكر. والهدوء نصف لذّة الفنجان. وفي آخر بقايا القهوة، في قاع الفنجان، نترك الكثير من الكلام ونرحل.
فنجان قهوة واحد، تشربه برضا نفس وراحة بال، يعدل الكثير من المقاهي المترفة. كل فنجان لم تجد معه ذاتك هو فنجان كان ينقصه الكثير.
لديَّ تصوّرٌ خياليٌّ، روحيٌّ، معنويٌّ، أن قهوة اللاتيه هي الأنثى العذبة في روحها، ذات النكهة الغنية في حسّها، المُشبعة بكراميل الدلال، ولها نصيب وافر من الأناقة والكاريزما.
وأن قهوة الإسبريسو هي الأنثى السادة، الذكية، الممتعة، ذات المذاق القوي، والوعي العميق، المثقفة التي تعشق عالم الكتب، وتعشق اللحظات البعيدة عن الصخب والثرثرة، ذات المزاج الفاخر غير السهل.
وأن قهوة الموكا هي الأنثى الصدفة، أو الأنثى العابرة، التي تأتي إلى عالم الرجل فجأة، وتختفي منه فجأة، كأنها الريح في شكل أنثى؛ ليس لها مكان ثابت، ولا طاولة ثابتة، ولا موعد ثابت، تذهب بعيدًا، ويبقى طعمها في فم الذاكرة يشعّ باللذة.
وأن قهوة الكابتشينو هي أنثى المغامرة، والفرس الجامحة، ذات العنفوان الجسدي والجرأة في الطباع، التي يحتاج الرجل أن يرتشف فنجانها رشفات طويلة وبطيئة حتى يصل إلى سرّ جوهرها التكويني.
يقول إليوت: "إني أقيس عمري بعدد ملاعق القهوة".
ويقول جون دروتن: "لو كنت امرأة لارتديت القهوة عطرًا".
ويقول نذير الزعبي لمحبوبته: "أرجوك ألا تمرّي ببالي بينما أشرب القهوة، فما زلت أحبها بلا سكر".
ويقول نزار قباني: "عندما أشرب القهوة معكِ أشعر أن شجرة البن الأولى زُرعت من أجلنا".
ويقول محمود درويش: "القهوة الأولى يفسدها الكلام؛ لأنها عذراء الصباح الصامت".
ويقول مريد البرغوثي: "أعظم ما في القهوة التوقيت؛ أن تجدها في يدك فور أن تتمناها، فمن أجمل أناقات العيش تلك اللحظة التي يتحول فيها ترف صغير إلى ضرورة".
ويقول أنطوني ترولوب: "ما الذي على هذه الأرض يمكن أن يكون أكثر ترفًا من أريكة وكتاب وكوب من القهوة؟".
القهوة ليس لها وقت ثابت، ولا ساعة معينة، ولا مكان محدد، ولا طقوس خاصة بها، ولا تتقيّد بأي مشاعر؛ لا في الفرح، ولا في الحزن، ولا في الانتصار، ولا في الخسارة. هي هكذا دائمًا حاضرة، مثل السماء، والأرض، والبحر، والناس.
أرجوكم، لا تُعقّدوا القهوة بالأقماع، والأباريق، وفلاتر التقطير، والميزان الرقمي، ولا تُثقلوا روحها، ولا تنزعوا عنها تلك المعاني العميقة التي تسكن في سرّ بساطتها. إن ذلك الطعم الرائع الذي نجده في فناجين القهوة هو بسبب سهولة تحضيرها وسرعة جاهزيتها.
القهوة هي الصديق الذي لا يطلب منك شيئًا مقابل وجوده. لا يحكم عليك، ولا ينتظر ردودًا، ولا يغادر إلا بعد أن يُدفئ روحك. هي اللحظة التي تقرر فيها أن تكون موجودًا تمامًا، قبل أن يبدأ العالم في طلب انتباهك.
