مجيد بن عبدالله العصفور
قبل صافرة البداية، تبدو المواجهة وكأنها صدام بين مدرستين كرويتين مختلفتين تمامًا؛ اليابان بعقلها التكتيكي المنظم، والبرازيل بقلبها النابض بالإبداع.
المنتخب الياباني أشبه بآلة كروية مُتقنة الصنع؛ انضباط تكتيكي، وضغط متواصل، وتحركات محسوبة، وتمريرات لا تعرف العشوائية. فريق لا يترك للمنافس مساحة للتنفس، ويؤمن بأن التنظيم قادر على التفوق حتى على أكثر المواهب بريقًا.
لكن تبقى هناك معادلة يصعب على أي "كمبيوتر" أن يحلها... اسمها البرازيل.
السامبا لا تعتمد على الحسابات وحدها، بل على الإلهام. لحظة واحدة من الإبداع قد تهدم منظومة بُنيت بعناية طوال المباراة. مراوغة من فينيسيوس جونيور، أو تسديدة مباغتة من رافينيا، أو تمريرة لا تخطر على بال من نيمار... كلها تفاصيل لا يمكن إدراجها في أي برنامج تكتيكي.
وإذا استعاد نيمار أفضل نسخه، فإن المشهد يصبح أكثر إثارة. اللاعب الذي طالما صنع الفارق بلمساته الاستثنائية، يمتلك القدرة على تحويل مباراة معقدة إلى لوحة فنية في لحظة واحدة. عندما يلعب بحرية وثقة، يستعيد البرازيل جزءًا كبيرًا من هويتها التاريخية.
قد تفرض اليابان إيقاعها، وقد تتقدم في النتيجة، وربما تسيطر على مجريات اللعب لفترات طويلة، لكن المنتخب البرازيلي لا يحتاج إلى عشرات الفرص. يكفيه ومضة من السحر، أو لمسة عبقرية، أو هدف يولد من المستحيل ليغير كل شيء.
لهذا يبقى السؤال مفتوحًا: هل ينجح الكمبيوتر الياباني في إبطال مفعول سحرة السامبا؟
ربما يستطيع أمام معظم منتخبات العالم، لكن مواجهة البرازيل تختلف دائمًا. فهناك منتخبات تُهزم بالخطة، بينما البرازيل لا تزال تؤمن بأن الموهبة قادرة على كسر أكثر الخطط إحكامًا.
وأخيرًا أقول: البرازيل تمرض، لكن سحرها لا يموت.. إنه عطر فواح يعرف كيف يتغلغل، ويظل عالقًا في الأجواء، وتعرفه أذواق الناس المُرهفة.
نحن ذلك الجيل الذي كان "الملك بيليه" من جعل الكرة بالنسبة له قطعة جمال وقصيدة شعر تصلح لكل زمان ومكان، وبعده عشنا أجمل البطولات مع السحرة أبناء السامبا، بثوبهم البرازيلي الثابت، ثم بقي السحر في جيل إبداع وتألق في أجواء الاحتراف الأوروبية.
عندما تعزف البرازيل في لقاء اليابان الصعب؛ فنحن على ثقة بأنه عزف بداية مجد، نرجو أن يستمر طيلة البطولة، مع تتويج مُستحق بعد أن طال الانتظار.
