أمن الخليج.. بين مخاطر التواجد الأجنبي وخيار الوحدة

 

 

 

 

د. محمد بن عوض المشيخي **

وُجِّهَت إليَّ دعوة للمشاركة في ندوة تلفزيونية بعنوان "أمن الخليج بعد الحرب"، وذلك في إحدى القنوات الفضائية العربية، لكن لم أتمكن من المشاركة لظروف خاصة، وهذا ما جعلني أخطُّ هذه السطور في هذا الملف الذي أصبح حديث الساعة بين المفكرين والكتاب، فلا صوت اليوم يعلو على مستقبل المجتمعات الخليجية بعد الحرب.

بالفعل، أمن الخليج هو الحاضر الغائب لدى النخب الخليجية منذ فترة طويلة؛ حيث تُعقد المؤتمرات ذات الطبيعة الأمنية في العديد من مدننا الخليجية، وكذلك عواصم صنع القرار العالمي مثل لندن وباريس وواشنطن، ولكن الحرب الأخيرة على ضفاف الخليج أكدت الإخفاق العلمي والعجز عن استشراف المستقبل والتعرف عن قرب على مفاتيح النجاح في هذا الموضوع الذي يتطلب حنكةً وذكاءً لكي نُجنِّب أنفسنا ويلات الحروب؛ فأمن الخليج هو حديث من لا عمل له منذ فترة طويلة؛ فكانت خلاصة تلك التنظيرات في وادٍ، وواقع الحال في وادٍ آخر. أمن المنطقة ليس فقط عبارة عن طموحات وأمانٍ نظرية لتلك النخب، بل أول خطوة نحو تحقيق هذه الغاية تبدأ بالدرجة الأولى بتشكيل اتحاد خليجي جماعي للوقوف أمام التهديدات الخارجية أينما كان مصدرها. لكن، بكل أسف، لم تكن هناك إرادة حقيقية بين الشركاء للاندماج وتوحيد الجهود بين الأشقاء، وخاصة في تأسيس جيش خليجي موحَّد مُزوَّد بالإمكانات التسليحية المُتطوِّرة، وقبل ذلك كله وجود منظومة دفاعية تحمي جميع حدود الدول الأعضاء وسماواتها المفتوحة من الأخطار المُدمِّرة.

يجب تذكير الجميع بأن تداعيات الصراع الحالي تتطلب من قادة الخليج اتخاذ قرار استراتيجي لتأمين مستقبل شعوب دول مجلس التعاون بعد هذه الحرب، فقد أكدت الأيام أن القواعد الأجنبية لا تحقق لنا السلام؛ بل يجب أن يؤمن الجميع بأن من يحمي الأوطان من الأطماع الأجنبية هم أبناء الأوطان الخليجية أنفسهم. ومن هنا يجب أن يُدرك أصحاب الحل والعقد أن الوحدة الخليجية هي الرهان الوحيد لمستقبل الأجيال، وقبل ذلك كله لا بد من وجود نوايا صادقة للعمل بشكل جماعي لمواجهة المخاطر والتحديات والأطماع الأجنبية التي لم تفارق يومًا هذه المنطقة التي تزخر بالثروات والاحتياطيات النفطية.

لا شك أن العلاقات بين ضفتي الخليج قد أصابها الضرر الكبير، وأصبحت تلك الروابط الأخوية الضعيفة في الأصل في مهب الريح، بعدما أفسدتها تداعيات الحرب، وإعادة ترميم جسور الصداقة بين الفرس والعرب تحتاج إلى الثقة والمصداقية اللتين أصبحتا على شفا الهاوية. لكن، في اعتقادي، أن أفضل الخيارات المطروحة الآن تتمثل في الجلوس على طاولة الحوار مع الإيرانيين.

أنظار العالم تتجه هذه الأيام إلى دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، التي تتعرض لتهديدات ومخاطر وجودية في أمنها الداخلي؛ وذلك بسبب الأطماع الأجنبية منذ عقود؛ إذ كانت البداية خلال عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، إبان المد الثوري من المتأثرين بالأفكار التحررية لهوشي منه وجيفارا وعبد الفتاح إسماعيل، وغيرهم من رموز الثورات العالمية التي غطَّت العالم في ذلك الوقت، من داخل المجتمعات الخليجية، إذ كان يستهدف هذا المد الثوري تغيير الأنظمة الحاكمة بمساندة من المعسكر الاشتراكي، أو ما يُعرف بـ"حلف وارسو"، الذي كان يقوده الاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي. لكن بعد اندحار تلك الطموحات وانهيارها، استمرت دول الخليج في الاعتماد على الدول الغربية، وخاصة الولايات المتحدة وبريطانيا، في توفير الأمن والاستقرار، بهدف المحافظة على المكتسبات التنموية والنهضة العمرانية التي سادت كل العواصم الخليجية. لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن؛ فقد فشل الحليف الأمريكي في توفير الأمن المزعوم للمنطقة في أول اختبار تتعرض له المدن الخليجية التي استُهدفت بالصواريخ الباليستية والطائرات المُسيَّرة من إيران، ومن بعض الجهات المشبوهة مثل إسرائيل أو بعض وكلائها في المنطقة. والسبب في ذلك عندما قررت أمريكا وإسرائيل استهداف إيران في خضم المفاوضات التي كانت تنعقد بوساطة سلطنة عُمان؛ فلم يستشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قادة دول الخليج؛ بل كان آخر ما تفكر فيه أمريكا هو أمن شعوب الخليج!

وفي الختام.. إن أهم ما تحتاج إليه الشعوب الخليجية هو إدراك التحديات الوجودية المحيطة بها؛ ولعل الأوضاع الإنسانية المتعلقة بالمواطن الخليجي يجب أن يُحسَب لها حساب؛ فتقوية الجبهة الداخلية مطلب أساسي، من خلال إيجاد فرص عمل للشباب، ورفع سقف حرية التعبير بين أفراد المجتمع دون تمييز، وحل مشكلة البدون في كل دول الخليج بطريقة تحترم الإنسان، ويجب أن تكون من أهم أولويات المرحلة المقبلة، والأهم من ذلك كله إعداد جيوش تكون قادرة على حماية التراب الخليجي، والاستثمار في الصناعات العسكرية المتطورة بالتنسيق بين دول مجلس التعاون، بحيث تتولى كل دولة نوعية معينة من الأسلحة مثل الطائرات المُسيَّرة، بينما تتولى دولة أخرى صناعة الدفاعات الجوية، وتتولى الثالثة صناعة الصواريخ، وهكذا.. كل دولة تتولى جانبًا من هذه الجوانب التصنيعية؛ فهناك دول إقليمية تقدمت علينا في هذا المجال، ويجب أن نلحق بركب العالم من حولنا.

 

** أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري

الأكثر قراءة

z