خالد بن أحمد الأغبري
عندما يعيش الإنسان في إخفاقات ظالمة وأزمات متتالية، فهي بلا أدنى شك تُعد وليدةً لتلك الصراعات المتكررة التي يقف وراءها مجموعة من الناس المتغطرسين والمناهضين للحوكمة، والذين يستهويهم ذلك الانفلات الأمني الذي يقود المنطقة إلى المزيد من الأزمات والتحديات والعواصف والخسائر البشرية والمادية، وانتهاك حقوق الإنسان، وزعزعة الأمن والاستقرار؛ لتظل المنطقة مشتعلة وملتهبة ومهزومة بداخلها من أجل ممارسة العنف، وارتكاب الجرائم، وسفك دماء الأبرياء المغلوب على أمرهم والمحرومين من حقوقهم. وبذلك أصبحوا هم الطرف الذي يدفع ثمن ذلك الظلم والحقد والكراهية بتكلفة باهظة الثمن، وبتضحيات بشرية ومادية تفوق المتوقع.
العيش بهذه الصورة، وبهذا الحجم المثير، يُعد أمرًا مقلقًا بما يمثله من تراجع كبير في المبادئ الأخلاقية والقيم الإنسانية، ويفقد ذلك الإنسان قيمته المعنوية والمادية، وقيمه الأخلاقية والإنسانية، ويصبح فارغًا تمامًا بكل ما تعنيه الكلمة، بحكم تلك الظروف التي فرضت عليه.
ومما لا شك فيه أن لهجة التهديد والوعيد التي يلجأ إليها البعض هي لهجة حمقاء فاشلة، امتزجت بعدم الانضباط النفسي فيما تستخدمه كأسلوب وقائي لمواجهة الأزمات والتحديات، وذلك من أجل تخفيف المعاناة المحيطة بهم على خلفية ما يقومون به من عمليات عدائية وانتهاكات ظالمة وحقودة، للخروج من خلالها بانطباع إيجابي يمكنهم من تهيئة الظروف الملائمة التي تساعدهم على إعادة التوازنات الضاغطة عليهم بصورة قاسية جدًا؛ وهي التي قد تؤدي بهم إلى سردية تسقط هيبتهم، وتجعلهم يسلكون طريقًا فيه من المغامرات الشاقة غير المحسوبة العواقب، ضمن سلسلة من الأمور التي تجعلهم يشعرون بالقلق والخوف اللذين يحاصرانهم في محيطهم العدائي.
وبالرغم من ذلك، فها هي مسيرة الخير تواصل طريقها وتتقدم لمكافحة الظلم والفساد؛ حيث إنها تسعى بكل جدية إلى فتح مجالات التعاون، وفتح أبواب الحوار بعقيدة صلبة ومتينة، وتعمل على نشر مظلة السلم والسلام، مجسدةً بذلك مبادئ التفاهمات ذات الأفق الحضاري البعيد، الذي يأتي من منطلق حرصها على تثبيت مرتكزات القيم الأخلاقية والإنسانية، ومعالجة أسباب الخلافات التي قد تتجاوز هيكلة الأنظمة والقوانين، باعتبارها واجبًا لصون الإنسان. فعلى المعنيين أن يضعوا في اعتبارهم أن سلامة النفس وصونها مقدمة على المصالح المادية والمعنوية والاجتماعية، وذلك من أجل ضمان حياة سعيدة ومستقرة في كل زمان ومكان.
إن اضطراب النفس وتمحورها يعيق تقدم الإنسان، ويفقده القدرة على التوازن، ويجعله مترددًا في اتخاذ القرارات المناسبة. وهذا في حد ذاته حالة مؤثرة في التفكير، والمشاعر، والسلوك، مما ينعكس على الأداء اليومي للفرد وعلاقاته بالمجتمع؛ حيث يبقى هذا الإنسان متأرجحًا في ضبط سلوكه وتصرفاته وتعاملاته؛ مما يؤدي به الحال إلى تهميش الثقة بالناس، وزرع الخوف، وبالتالي يكون وضعه الاجتماعي في دائرة المخاطرة والعزلة والارتباك، عندما تسير الأمور عكس الطريق المعتاد، وتصطدم بحواجز غير آمنة، في ظاهرة مخيفة ومستقبل غامض تسيطر عليه جملة من التحديات التي يغلب عليها طابع التوجس، الذي يجعل العالم في مواجهة حقيقية مع المتغيرات السلبية، وهو يعيش في حالة من التوتر والقلق والخوف من مداهمة المستقبل المجهول، بما لا يناسب تلك النظرة التفاؤلية التي يراهن عليها الإنسان من أجل تحديث معطيات الحياة، والمحافظة على البيئة المحيطة بها ومكوناتها المجتمعية والاقتصادية ذات الصلة بأمن واستقرار المنطقة الملتهبة بأعاصير الحروب ومخلفاتها، أيًا كانت الدوافع.
لا شك أن ما تحدثه الأيام من مواقف ومتغيرات غير ثابتة وغير مستقرة، نتيجة الظروف المحيطة بالقضايا المرتبطة بحياة الإنسان، وازدواجية الأسباب، وتشابك المصالح، هو مدعاة للخوف والقلق، وبالتالي فهو انعكاس لما تضمره النفوس البشرية من مشاحنات وردود فعل سلبية تؤثر على مستوى القرارات التي يتخذها هذا الإنسان في حياته العلمية والعملية، وما يترتب عليهما من أضرار مادية ومعنوية.
وكما نعلم، فإن حل الخلافات بشكل متوازٍ وفق مقتضيات الأنظمة والقوانين، وما يترتب عليها من خلال مختلف أسبابها وتوصيفها، غالبًا ما يأتي ضمن رؤًى عقلانية ودراسات تحليلية موضوعية ودقيقة، تهدف إلى تحقيق معادلة توافقية عميقة وضمنية، تتجسد في سلسلة من المواقف الإيجابية التي تُراعى فيها، ومن خلالها، العلاقات الثنائية، والمصالح المشتركة، والروابط المؤثرة على مستوى القيادات المرتبطة بالعمق التاريخي والثقافي، لتهيئة الظروف وبلورة الغايات التي تسهم في حلحلة القضايا العالقة وفق منظومة متكاملة وشاملة، تفضي إلى سياسة هادئة وسليمة تضمن لكل ذي حق حقه.
وعلى الأطراف المعنية بهذه المواقف إيجاد حلول جذرية لتلك التحديات التي تعترض تلك الخيارات المطروحة، والعمل باتجاه المبادرات القائمة على حسن التخطيط، والشفافية، والنزاهة، وعدم خلط الأوراق، والخروج بآليات واضحة وفاعلة لطمر كل ما يفسد العلاقات الاجتماعية، والأخذ بكل الاعتبارات التي تُبنى عليها ديمومة المصالح المشتركة، والقيم الأخلاقية، والروابط الاجتماعية. كما يتوجب على الأمم أخذ الحيطة والحذر ممن يديرون هذه الملفات بسوء نية، ويعملون على إشعال نار الفتنة لتحقيق مصالحهم ومآربهم، بما يحققون من خلاله مصالحهم.
اللهم اجعل الأمن غايتنا، والاستقرار حليفنا، والسلامة من كل سوء ومكروه منتهى أمرنا، وأعنا على طاعتك ورضاك وحسن عبادتك، إنك على كل شيء قدير.
