حين يسرق الشيطان الرضا.. فتبدأ رحلة تغيير خلق الله

 

هدى بنت راشد المعمري **

إذا أردنا أن نفهم كيف يصل الإنسان إلى أن يغيّر ما خلقه الله، فلا ينبغي أن نبدأ بالمرآة، ولا بعمليات التجميل، ولا بالفلاتر، ولا حتى بالجسد نفسه. فالقرآن يرشدنا إلى موضع أعمق بكثير. إنه لا يبدأ بالفعل، بل بالقلب الذي سبق الفعل. ولا يبدأ باليد التي تغيّر، بل بالفكرة التي تسكن الروح قبل أن تتحرك اليد. ولهذا لم يقل إبليس: سأغيّر خلقهم، وإنما كشف الله لنا مشروعه كاملًا فقال: ﴿ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليغيرن خلق الله﴾. إنها ليست كلمات متفرقة، بل رحلة متكاملة تبدأ من الداخل، وتنتهي عند الظاهر. تبدأ بضياع الميزان، وتنتهي بتغيير الخلق.

ومن هنا ندرك أن الغفلة الكبرى في هذا العصر لم تكن أن يتقدم الطب، ولا أن تتطور وسائل التجميل، ولا أن يصبح الإنسان قادرًا على إزالة ضرر أو علاج تشوه، فالعلم في أصله نعمة، والطب رحمة، وكل قدرة نافعة هي من تسخير الله لعباده. لكن السؤال الذي نسيه الإنسان هو: لماذا أستخدم هذه النعمة؟ هل لأحفظ الأمانة التي وهبني الله إياها، أم لأهرب من الحكمة التي أراد الله أن يربيني بها؟

وهنا تبدأ المرحلة الأولى من مشروع إبليس: ﴿ولأضلنهم﴾؛ فالضلال هنا ليس مجرد انحراف في السلوك، بل انحراف في النظر. أن يفقد الإنسان الميزان الذي يرى به نفسه. أن يتوقف عن رؤية وجهه على أنه أثر من آثار حكمة الله، ويبدأ في رؤيته بعين العالم. وحين يختل هذا الميزان، لا يعود الجسد أمانة، ولا العمر رسالة، ولا الملامح اختيارًا إلهيًا، بل تتحول كلها إلى مشروع مفتوح للتعديل، وكأن الخالق ترك فيه نقصًا ينتظر البشر ليكملوه.

ثم تأتي أخطر مرحلة في الآية، وهي التي يغفل عنها أكثر الناس: ﴿ولأمنينهم﴾؛ فالشيطان لا يبدأ بالأمر، بل بالأمنية؛ لأنه يعلم أن الإنسان لا يسير إلا وراء ما يتمناه. فإذا استطاع أن يغيّر أمنياته، فقد غيّر اتجاه حياته كلها.

واليوم، لم يعد الشيطان بحاجة إلى أن يهمس لكل إنسان وحده؛ فقد أصبحت الدنيا كلها تردد الأمنية نفسها. شاشات، وإعلانات، ومنصات، وصور معدلة، وفلاتر، ورسائل متكررة تقول للإنسان كل يوم: لست كافيًا كما أنت. يمكن أن تصبح أجمل، وأصغر، وأكثر قبولًا، وأكثر شبهًا بالصورة التي رسمها العالم لك.

وهكذا لا يشعر الإنسان أنه يعترض على خلق الله، بل يظن أنه يبحث عن الكمال. ولا يشعر أنه يبتعد عن الرضا، بل يظن أنه يعتني بنفسه. ولا يشعر أنه يسير في مشروع وصفه القرآن منذ قرون؛ لأنه يراه مغلفًا بلغة التطور، والثقة بالنفس، والحرية الشخصية.

وهنا تتجلى المفارقة العجيبة؛ فالإنسان يقول: الحمد لله الذي سخر لنا هذا العلم. وهذا حق. لكن السؤال الذي يغيب هو: هل استعملت النعمة فيما يقربني من الله، أم فيما يجعلني أكثر تعلقًا بالدنيا؟

فالنعمة لا تكون نعمة بمجرد وجودها، وإنما بما تفعله في القلب. فقد تتحول الوسيلة نفسها إلى باب من أبواب الشكر، وقد تتحول إلى باب من أبواب الفتنة إذا جعلت الإنسان يهرب من سنن الله بدل أن يتلقى رسائلها.

ثم تتحول الأمنية إلى ثقافة، والثقافة إلى أمر طبيعي، حتى يصل الإنسان إلى المرحلة الثالثة: ﴿ولآمرنهم﴾.

لم يعد الأمر همسًا خفيًا، بل أصبح صوتًا يحيط بالإنسان من كل جانب. يأمره الإعلان، وتأمره الموضة، وتأمره المقارنات، وتأمره الصور المصنوعة. وكلها تردد الرسالة نفسها: لا ترض بما أنت عليه.

وهكذا يصبح عدم الرضا فضيلة، ويصبح القلق على الشكل دليل وعي، ويصبح مطاردة صورة مستحيلة أسلوب حياة. وهنا فقط يصل مشروع إبليس إلى غايته: ﴿فليغيرن خلق الله﴾.

لاحظ أن تغيير الخلق لم يكن البداية، بل النهاية. إنه الثمرة الأخيرة لشجرة زُرعت في القلب منذ زمن طويل. فالمشكلة لم تبدأ يوم وقف الإنسان أمام المرآة، بل يوم فقد الطمأنينة إلى اختيار الله.

ولهذا يقول الله في موضع آخر: ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾.

إنها ليست شهادة لجمال الصورة فحسب، بل إعلان عن كمال الحكمة. فالتقويم ليس ملامح الوجه وحدها، بل الميزان الذي أقام الله عليه الإنسان كله. فإذا آمن القلب بهذه الآية، نظر إلى نفسه بعين الشكر، لا بعين السخط. وإذا فقد هذا اليقين، أصبح كل شيء فيه قابلًا للمراجعة؛ لأن المشكلة لم تعد في الوجه، بل في الرضا.

ولذلك فإن أخطر ما سرقه العالم من الإنسان ليس وجهه، بل الطريقة التي ينظر بها إلى وجهه.

لقد أقنعه أن قيمة الإنسان فيما تراه العيون، لا فيما يراه الله. وأن الشباب غاية، لا مرحلة. وأن التجاعيد هزيمة، لا رسالة. وأن الشيب نقص، لا تذكير بأن العمر يمضي إلى لقاء الله.

وهكذا بدأ الإنسان يخاف من خط صغير على بشرته أكثر مما يخاف من قسوة قلبه، ويخشى ذهاب نضارة وجهه أكثر مما يخشى ذهاب خشوعه، ويقف ساعات أمام المرآة، بينما تمر أيام لا يقف فيها لحظة أمام قلبه.

إن الجسد لا يستطيع أن يشبع جوع الروح. والوجه لا يستطيع أن يحمل فراغ القلب. والمرآة لا تستطيع أن تمنح الإنسان سلامًا فقده في علاقته بخالقه.

ولهذا يدخل كثير من الناس هذا الطريق وهم يبحثون عن الطمأنينة، ثم يخرجون منه أكثر تعلقًا؛ لأن الأمنية التي زرعها الشيطان لا تعرف الاكتفاء. فما إن تتحقق أمنية حتى تولد أخرى، وما إن يختفي أثر حتى يبحث الإنسان عن أثر جديد؛ لأنه لا يطارد الجمال في الحقيقة، بل يطارد رضا لن يجده في الصورة؛ لأن الرضا لا يسكن الصورة، وإنما يسكن القلب إذا اطمأن إلى اختيار الله.

وليس المقصود من هذا كله أن يهمل الإنسان نفسه، أو يترك علاج ضرر، أو يرفض ما يرفع عنه أذى، فدين الله دين رحمة، وقد فرّق العلماء بين التداوي المشروع وبين التغيير الذي ينبع من التعلق بالصورة ورفض الخِلقة. وإنما المقصود أن يعود الإنسان إلى أصل القضية: أن يسأل قلبه قبل أن يسأل المرآة.

من الذي يقودني؟ أهي حكمة الله أم أمنية زرعها العالم في داخلي؟

أأنا أعتني بالأمانة، أم أهرب من رسائل العمر؟

أأنا أشكر الخالق على ما اختاره لي، أم أعيش في مطاردة لا تنتهي لصورة صنعها الناس؟

إن معركة هذا العصر ليست بين الجمال والقبح، ولا بين الشباب والشيخوخة، بل بين آيتين.

آية يقول فيها الله: ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾. وآية يكشف فيها مشروع عدوه: ﴿ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليغيرن خلق الله﴾.

وبين هاتين الآيتين يعيش الإنسان عمره كله.

فإما أن يصدق شهادة خالقه، فيسكن قلبه ويستقيم ميزانه، ويرى في وجهه أثرًا من آثار حكمة الله، وفي عمره طريقًا إلى لقائه.

وإما أن يصدق أمنية الشيطان، فيبقى يطارد صورة لا يبلغها؛ لأن الشيطان لم يكن يريد أن يغيّر وجه الإنسان فقط، بل كان يريد قبل ذلك أن يسرق منه الرضا. فإذا ضاع الرضا، أصبح تغيير الخلق نتيجة طبيعية، لا يشعر صاحبها أنه وصل إليها إلا بعد أن يكون قد ابتعد كثيرًا عن السكينة التي كان يبحث عنها منذ البداية.

** كاتبة مختصة في الشأن الاجتماعي

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z