عادل الحمداني **
نواصل حديثنا عن قدرة الأخبار الرسمية على صناعة الثقة بين الجمهور ومختلف المؤسسات الحكومية التي تقدم أخبارها الرسمية عبر مختلف القنوات والمنصات التابعة لها، إلى جانب أدوار واستراتيجيات الخطاب الإخباري الرسمي، التي تشمل الاستفادة من المنصات الرقمية، والتفاعل الإيجابي مع الجمهور، وتنويع المحتوى الإعلامي الذي تقدمه للجمهور.
ولأن كل جهد يواجه تحديات في طريقه، فإن الإعلام الرسمي، على وجه التحديد، في العديد من دول العالم، يواجه الكثير من العقبات التي تعترض آلية عمله. تلك حقيقة لا بد من الاتفاق عليها؛ فلا يوجد إعلام لا يمر بعقبات، ولا توجد مؤسسة إعلامية لا تواجه اختبارات وصعوبات مهنية مهما بلغت من خبرة ومكانة. تلك التحديات والعقبات فرضت على المؤسسات الإعلامية مراجعة أدواتها وأساليبها وتطوير قدراتها. ولعل من أكثر التحديات تأثيرًا يتمثل في المحافظة على الدقة والموضوعية. في هذا السياق، يرى الكاتب ممدوح سليمان العامري في مقاله "الدور الاستراتيجي للإعلام الحكومي في العصر الرقمي" أن المصداقية تمثل "حجر الزاوية في أي تواصل فعّال، خاصة في البيئة الرقمية التي يسهل فيها التحقق من المعلومات". ويؤكد أن الإعلام الحكومي مطالب بالالتزام المستمر بالشفافية وتقديم الحقائق كاملة، حتى في الأوقات الصعبة(1).
التحدي الآخر الذي يواجه الخطاب الإعلامي الرسمي يتمثل في منافسة الإعلام الرقمي. فالتكنولوجيا اليوم غيّرت قواعد العمل، فلم يعد الإنسان العادي بحاجة إلى انتظار نشرة الأخبار أو الصحيفة اليومية للحصول على المعلومة -كما كنا نفعل قبل عقد من الزمن على الأقل- بل أصبح قادرًا على فتح نافذة إلكترونية يطلع من خلالها على جديد العالم بضغطة زر توصله إلى مئات المصادر بكل سهولة ويسر. هذا التحول فتح المجال أمام العديد من الأطراف للتنافس فيما بينها على جذب انتباه الجمهور وإقناعه برسالتها واستهدافه مباشرة. هنا يشير الكاتب عبدالله العليان في مقاله "التحدي الإعلامي في ظل التحولات المتسارعة" إلى أن التحولات في عالم التقنيات الحديثة أصبحت واقعًا ملموسًا لا يمكن تجاهله، وأن تأثيراتها المتزايدة على الأجيال الجديدة تفرض على المؤسسات الإعلامية إعادة النظر في أدواتها وأساليبها (2).
تجاوز فجوة الثقة بين طرفي المعادلة يشكل تحديًا آخر لا يقل أهمية عن بقية التحديات، باعتبار أن الثقة علاقة إنسانية لا يمكن قياسها بالمؤشرات والأرقام، فهي تتشكل ببطء وتتطلب اهتمامًا خاصًا. لهذا السبب، يرى بعض الباحثين والمتخصصين أن المؤسسات الإعلامية الحكومية مطالبة ببذل المزيد من الجهد لتعزيز الثقة المتبادلة مع الجمهور، من خلال توخي الدقة والموضوعية في نقل الأخبار والمعلومات، وتقبل الانتقادات، والاستماع إلى مختلف الآراء ووجهات النظر. هنا يمكنني الإشارة إلى ما يقوم به مركز التواصل الحكومي في سلطنة عُمان من جهود لتعزيز الثقة ورفع مستوى التفاعل بين الجمهور ووسائل الإعلام المحلية.
وأخيرًا، قد تتشكل لدى البعض آراء ووجهات نظر تتعارض مع ما لدى الآخرين حول أدوار الأخبار الرسمية ومهامها، غير أن الثابت في التجربة الإعلامية أن الخبر الرسمي لم يقتصر في يوم من الأيام على نقل المعلومة، متجاوزًا ذلك إلى تفسيرها ووضعها في سياقها الصحيح. ذلك ما أشار إليه تقرير صحفي بعنوان "دور الإعلام العُماني في تعزيز الهوية الوطنية ودعم الرؤية المستقبلية"، وتأكيده على أن سلطنة عُمان ماضية في توفير بيئة إعلامية مستقرة تسهم في بناء أجيال المستقبل، وحفظ حقوقهم، وتقديم كل ما يربطهم بثقافتهم وموروثهم (3). كما أن قانون الإعلام العُماني الجديد الصادر في العاشر من نوفمبر 2024، يمثل خطوة مهمة في مسار تطوير المنظومة الإعلامية، لما يتضمنه من تشجيع للابتكار، ودعم للمشاركة المجتمعية، وحرية التعبير، وتنمية القدرات البشرية، وتعزيز الهوية الوطنية بما ينسجم مع رؤية "عُمان 2040".
** كاتب وإعلامي عُماني
المراجع:
- مقال للكاتب ممدوح سليمان العامري بعنوان "الدور الاستراتيجي للإعلام الحكومي في العصر الرقمي" نشرته وكالة عمون الإخبارية بتاريخ 4 أغسطس 2025.
- مقال للكاتب عبدالله العليان بعنوان "التحدي الإعلامي في ظل التحولات المتسارعة". نشرته جريدة عُمان بتاريخ 29 مايو 2024.
- تقرير صحفي بعنوان "دور الإعلام العُماني في تعزيز الهوية الوطنية ودعم الرؤية المستقبلية" نشرته جريدة عُمان بتاريخ 12 يناير 2025.
