مرتضى بن محمد جواد الجمالاني
من أبرز التحديات التي تواجه صناعة التأمين في الوطن العربي أنها لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على نماذج ومدارس خارجية في التنظيم والإدارة والتقييم، رغم أن حجم الأسواق العربية، وتطور الأطر التشريعية، ووجود أجهزة إشراف ورقابة متقدمة، جميعها عوامل تؤهل لبناء نموذج عربي مستقل يعكس خصوصية البيئة الاقتصادية والتنظيمية في المنطقة.
كما أن الاعتماد المفرط على وكالات التصنيف الائتماني الدولية يمثل تحديًا إضافيًا أمام الجهات الرقابية، مما يبرز الحاجة إلى تطوير أدوات تقييم وتحليل محلية أكثر تكاملاً وملاءمة لواقع الأسواق العربية، بما يعزز الاستقلالية الرقابية ويقوي كفاءة اتخاذ القرار.
وفي هذا السياق، أصبح من الضروري إجراء تقييم دوري شامل لأسواق التأمين كل خمس سنوات باستخدام منهجية SWOT Analysis، وبمشاركة فاعلة من القطاعين العام والخاص، بهدف تحديد نقاط القوة والضعف، واستشراف الفرص والتهديدات، وصياغة استراتيجيات تدعم الاستدامة وتعزز النمو وترفع القدرة التنافسية للقطاع.
كما يُعد تقييم القيادات التنفيذية، ورأس المال البشري، وخطط التوظيف، والإحلال والتعاقب الوظيفي (Career & Succession Planning) من الركائز الأساسية في قطاعات المال والمصارف والتأمين، باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من منظومة الحوكمة وإدارة المخاطر، بما يضمن استمرارية الأعمال، واستدامة الأداء، وبناء قيادات مستقبلية قادرة على مواجهة التحديات المتغيرة.
ومن الجوانب المحورية كذلك تعزيز الفهم المتكامل للقوائم المالية الثلاث: الميزانية العمومية (Balance Sheet)، وحساب الأرباح والخسائر (Profit & Loss Account)، وقائمة التدفقات النقدية (Cash Flow Statement)؛ حيث إن كل قائمة تعكس بعدًا مختلفًا من الأداء المالي؛ فالميزانية العمومية تعكس المركز المالي في لحظة زمنية محددة، بينما يقيس حساب الأرباح والخسائر نتائج الأداء خلال فترة مالية، في حين توضح قائمة التدفقات النقدية قدرة المؤسسة على توليد السيولة والوفاء بالتزاماتها التشغيلية والاستثمارية. ولا يكتمل التقييم المالي دون تحليل تكاملي لهذه القوائم مجتمعة.
وفي إطار تطوير الحوكمة وتعزيز كفاءة أسواق المال، فإن تنشيط تداول أسهم شركات التأمين في الأسواق المالية يُعد مسؤولية مشتركة بين مجالس الإدارة والإدارات التنفيذية، من خلال تبني استراتيجيات تعزز ثقة المستثمرين وترفع القيمة السوقية للشركات. كما ينبغي أن ترتبط حوافز ومكافآت الإدارات التنفيذية بمؤشرات أداء متوازنة لا تقتصر على نمو الإيرادات أو الأرباح فقط، بل تشمل كذلك أداء سعر السهم في السوق، وصافي الأرباح، والتدفقات النقدية، والعائد على حقوق المساهمين، وكفاءة إدارة رأس المال، ومستوى المخاطر، والالتزام بالحوكمة.
إن تبني هذا النهج الشامل والمتكامل في الحوكمة، وإدارة المخاطر، وتقييم الأداء، وربط الأداء التنفيذي بالقيمة السوقية والاستدامة المالية، من شأنه أن يسهم في تعزيز تنافسية قطاع التأمين العربي، ورفع كفاءته، وزيادة جاذبيته الاستثمارية، وتحويله إلى قطاع مالي واستثماري أكثر نضجًا واستدامة، يدعم النمو الاقتصادي ويحمي مصالح حملة الوثائق والمساهمين على حد سواء.
ومستقبل صناعة التأمين في الوطن العربي لا يعتمد فقط على نمو الأقساط أو الأرباح، بل على بناء منظومة متكاملة تشمل الحوكمة، وإدارة المخاطر، ورأس المال البشري، والتخطيط للتعاقب الوظيفي، والتحول الرقمي، وتنشيط أسواق المال، وربط أداء الإدارات التنفيذية بخلق قيمة مستدامة للمساهمين وحملة الوثائق والاقتصاد الوطني.
بهذه الرؤية، تتحول شركات التأمين من مجرد جهات لسداد التعويضات إلى مؤسسات مالية واستثمارية فاعلة تساهم في التنمية الاقتصادية وتعزيز الاستقرار المالي.
** خبير التأمين وباحث اقتصادي متخصص
