الصين تطرح رؤيتها لإصلاح الحوكمة الدولية

 

 

 

ناصر بن حمد العبري

في توقيت يموج فيه العالم بأزمات اقتصادية متلاحقة وتوترات جيوسياسية متصاعدة، إلى جانب تحديات التنمية المستدامة التي لم تعد تحتمل التأجيل، تقدم بكين مقاربة مختلفة لإدارة شؤون الكوكب؛ فمن خلال الكتاب الأبيض الذي أصدره مكتب الإعلام التابع لمجلس الدولة الصيني تحت عنوان «حوكمة عالمية أكثر عدلًا وإنصافًا.. مبادئ الصين ومقترحاتها وإجراءاتها»، وضعت الحكومة الصينية على الطاولة وثيقة استراتيجية تهدف إلى إعادة تشكيل قواعد اللعبة الدولية بما يضمن توازنًا أكبر بين الدول.

الرسالة الأساسية للكتاب واضحة ولا تحتمل التأويل. مستقبل البشرية لا يمكن أن يظل أسيرًا لمنطق الهيمنة أو معادلات المصالح الضيقة التي يفرضها الأقوى. البديل الذي تطرحه الصين يقوم على الحوار المفتوح، والتعاون العملي، والشراكة التي لا تستثني أحدًا. من هذا المنطلق، يعرف الكتاب الحوكمة العالمية بأنها مسؤولية جماعية، لا امتيازًا لفئة دون أخرى، وغايتها حماية الأمن، ودفع عجلة التنمية، وتحقيق الازدهار المشترك لجميع الشعوب. وهو طرح يتقاطع مباشرة مع القلق الدولي الراهن حول شرعية المؤسسات القائمة وقدرتها على معالجة الأزمات المركبة.

الجذر الفكري لهذه الرؤية يعود إلى مفهوم «مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية» الذي تتبناه القيادة الصينية بقيادة الرئيس شي جين بينغ. هذا المفهوم لا يكتفي بشعار، بل يترجمه إلى ثلاث ركائز: التشاور الواسع قبل اتخاذ القرار، والمساهمة المشتركة في تحمل الأعباء، وتقاسم المنافع بعيدًا عن لعبة المحصلة الصفرية. النتيجة التي تسعى إليها بكين هي تعددية حقيقية تمنح الدول الكبيرة والصغيرة وزنًا متكافئًا في صناعة القرار الدولي، بدلًا من هياكل تمثيلية شكلية.

لكن الصين لم تكتفِ بالتنظير، فقد أطلقت «مبادرة الحوكمة العالمية» كخريطة طريق عملية لإصلاح النظام الدولي. المبادرة لا تطرح هدمًا كاملًا للبنية القائمة، وإنما إصلاحًا واقعيًا يعالج اختلالات الكفاءة والعدالة، ويمنح المنظومة مرونة أكبر لمواجهة التحديات المشتركة مثل تغير المناخ، والأمن الغذائي، والديون، والتحول الرقمي. الإقبال المتزايد من عشرات الدول والمنظمات الدولية على دعم المبادرة يشير إلى أن هناك مساحة واسعة تبحث عن بديل أكثر إنصافًا، وأن الثقة بالنهج الصيني في تزايد.

نقطة محورية أخرى يركز عليها الكتاب الأبيض هي مكانة الأمم المتحدة. بالنسبة لبكين، لا يمكن لأي إصلاح أن يكون ذا مصداقية إذا تجاوز المنظمة الأممية أو همَّش ميثاقها والقانون الدولي. كما يوجه الكتاب رسالة مباشرة إلى الدول الكبرى بضرورة تحمل مسؤولياتها التاريخية في صون السلام ودعم التنمية، لأن تضييق فجوات التنمية بين الشمال والجنوب هو ضمانة حقيقية للاستقرار العالمي على المدى البعيد.

باختصار.. يقدم الكتاب الأبيض صورة لنهج صيني يجمع بين وضوح الرؤية، وواقعية الأدوات، والإرادة السياسية للتعاون. وفي لحظة تاريخية تتغير فيها موازين القوة، وتتسارع فيها التحولات، تبدو المقترحات الصينية محاولة جادة لبناء نظام دولي جديد قوامه الاحترام المتبادل، والتنمية المشتركة، والعدالة في توزيع الفرص. إنها دعوة لإعادة تعريف العلاقات الدولية على أساس أن مصير البشرية واحد، وأن الحل لا يأتي من التفرد، بل من العمل الجماعي.

 

الأكثر قراءة

z