بين الزعفران والعُصفر

 

سُلطان بن خلفان اليحيائي

ليس كلُّ ما اصفرَّ زعفرانًا.. يختلط الزعفران بالعُصفر على كثيرٍ من الناس فكلاهما يلتقي في اللون وقد يجتمعان في الطعام والعطور والأصباغ لكن أهل الخبرة لا يقفون عند اللون بل يتجاوزونه إلى القيمة والأثر.

فالزعفران لم يكتسب مكانته من هيئته بل من رحلةٍ طويلة من الزراعة والعناية والقطاف والفرز حتى صار نادرًا وثمينًا أما العُصفر فله منافعه لكنه يبقى في مرتبةٍ أدنى مهما تقارب شكله أو لونه.

وهكذا هم الناس كم من إنسانٍ تقدّمه هيئته قبل أن ينطق فإذا نطق تبدّل الحكم وكم من آخر لا تلتفت إليه العيون فإذا تكلم ارتفع بعلمه وأدبه ورجاحة عقله؛ فالناس كثيرًا ما يُخدَعُون بالمظهر قبل المخبر وبالصورة قبل الحقيقة.

وكذلك الأمم تتشابه المظاهر وتختلف الجواهر وتقترب الألوان وتبتعد القيم غير أن ساعة الاختبار وحدها هي التي تُسقط الأقنعة وتكشف الفوارق.

ولعلّ أوضح ما يكشف الفرق بين الأمم هو علاقتها بما تملكه من نِعم فالبشرية عرفت عبر تاريخها نوعين من النعم نعمة تُستخرج من باطن الأرض ونعمة تُستخرج من باطن العقل.

الأولى تمنح ثروةً قد تتضخم وقد تنكمش والثانية تصنع قدرةً متجددة لا تنضب بسهولة والأمم الحكيمة ليست تلك التي تمتلك الثروة بل التي تُحسن تحويلها إلى قدرة؛ فالمال قد يُشترى به كل شيء تقريبًا لكن لا يمكن شراء الخبرة المتراكمة ولا صناعة العقول دفعةً واحدة ولهذا يبقى السؤال الأهم ليس ماذا نملك بل ماذا نستطيع أن نصنع.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية للأمم فالتاريخ يعلّمنا أن أعظم التحولات لم تولد في لحظات الراحة بل في لحظات الضيق والضغط؛ فعندما تُحاصر الأمم تبحث عن البدائل وعندما تُمنع من الوصول إلى ما تريد تبدأ في صناعة ما تحتاج إليه وعندما تُدفع إلى الزاوية تكتشف قدراتٍ لم تكن تعلم أنها تملكها.

ومن هنا تتكشف صورة أخرى في واقع الأمم فهناك من يعيش في بحبوحة من الحياة تتوفر له سبل العيش ويستورد معظم احتياجاته من خارج حدوده دون أن يطوّر قاعدة إنتاج حقيقية بينما يظل معتمدًا على الخارج في أبسط متطلباته

وفي المقابل هناك من عاش ظروفًا صعبة وتعرض للضغط والحصار لكنه اختار أن يعتمد على نفسه فصنع غذاءه ودواءه وطوّر قدراتٍ استراتيجية جعلته أكثر صلابة أمام التحولات

وهنا لا تُقاس القوة بما يتوفر من رفاه بل بما يُبنى من قدرة في زمن الشدة.

الحاجة معلّم قاسٍ لكنه يصنع الأمم؛ فالأمم التي تعيش تحت الضغط تتعلم الاعتماد على الذات وتدرك أن الأمن ليس حدودًا مرسومة وأن الاستقلال ليس علمًا يُرفع بل قدرةٌ على الإنتاج والمعرفة والصناعة. أما الأمم التي تتوفر لها السبل بسهولة فقد تنشغل بإدارة النعمة أكثر من صناعة المستقبل.

ولا عيب في النعمة فهي فضلٌ من الله لكن العبرة فيما يُبنى فوقها لا فيما يُستهلك منها.

ومن هنا نفهم أن الحضارة ليست أبراجًا شاهقة ولا منشآت لامعة ولا مظاهر تُخطف بها الأبصار بل هي الإنسان أولًا فالمشاريع تُبهر العين لكن العقول هي التي تحمي الأوطان وتصنع مستقبلها.

ولهذا تتضح الفوارق حين تضطرب الأسواق أو تتغير سلاسل الإمداد أو تتبدل موازين القوى عندها يظهر الفرق بين من يملك الشيء ومن يعرف كيف يصنعه بين من يستورد الحلول ومن يبتكرها.

وهنا يتجلى معنى الاستقلال الحقيقي أن تمتلك القدرة لا أن تعتمد على غيرك في البقاء وليست القضية أن أحدهما أجمل من الآخر أو أن أحدهما بلا فائدة بل أن التشابه في اللون لا يعني تشابه الحقيقة.

القضية أن التشابه في اللون لا يصنع الحقيقة؛ فالأسواق تعرف الفرق بين الزعفران والعُصفر كما يعرف التاريخ الفرق بين الأمم التي بنت قوتها بيدها وتلك التي اكتفت بما توفره لها الظروف.

ومن الحكمة ألا ننخدع بالمظاهر وألا نقيس الأوطان بما تملكه اليوم فقط بل بما أعدّته للغد؛ فليس كلُّ ما اصفرَّ زعفرانًا وليس كلُّ ما بدا قويًا يملك أسباب القوة.

والأمم التي تجمع بين الثروة والقدرة وبين الموارد والعقول وبين الحاضر والاستعداد للمستقبل هي التي تكتب اسمها طويلًا في صفحات التاريخ؛ فالزعفران لا يُعرف بلونه بل بما اختزنته الأرض فيه من صبرٍ وعناية وكذلك الأمم لا تُقاس بما تملك بل بما تُنتج وبما تصنع وبما تستطيع أن تفعله حين تُختبر وحدها في مواجهة الواقع.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z