طلال بن حمد الربيعي
تعد الطبقة الوسطى في الأدبيات الاقتصادية "صمام الأمان" للدول والمجتمعات، فهي المحرك الفعلي لعجلة الإنتاج، والمستهلك الأكبر للسلع، والجسر الذي يضمن التوازن الاجتماعي. لكن هذا التعريف النظري بات يصطدم اليوم بواقع مغاير، حيث تجد هذه الشريحة الواسعة نفسها محاصرة في معركة صامتة: تضخم متسارع يلتهم القوة الشرائية من جهة، وهيكل أجور جامد لا يواكب، للأسف، هذا التسارع. هذا الاختلال حوّل مفهوم "الاستقرار" لدى كثير من الأسر من حقيقة معيشية مستقرة إلى مجرد وهم شكلي.
طبعًا، هذا المشهد لا يمكن فصله عن السياق الجغرافي والاقتصادي للمنطقة، وتحديدًا في الدول ذات الاقتصادات النفطية، مثل سلطنة عُمان، حيث ارتبط صعود الطبقة الوسطى تاريخيًا بنمو الدولة الحديثة والانتعاش الناتج عن عوائد النفط، والتي تُرجمت في عقود مضت على شكل وظائف مستقرة ومزايا اجتماعية مريحة. إلا أن المعادلة تغيرت؛ فمع تذبذب أسعار الطاقة عالميًا، واتجاه الحكومات نحو تبني سياسات مالية تحوطية لضمان الاستدامة وتخفيف العجز (عبر مراجعة الدعم وإعادة توجيهه، وفرض ضرائب، كضريبة القيمة المضافة)، بدأت تظهر الفجوة بوضوح. ورغم أن هذه الخطوات تُعد ضرورية للموازنات العامة للدول وحمايتها من الصدمات الخارجية، إلا أن أثرها المباشر وقع على كاهل الأسر متوسطة الدخل، التي وجدت أن كلفة المعيشة ترتفع، بينما المداخيل ثابتة لا تتحرك.
هنا يكمن "وهم الطبقة الوسطى"؛ فالاستقرار الذي تشي به المظاهر الاجتماعية والنمط الاستهلاكي العام (مثل امتلاك سيارة حديثة أو العيش في مستوى سكني معين، بات في كثير من الأحيان استقرارًا يرافقه كثير من الأعباء المالية والديون)، فلم يعد المؤهل التعليمي العالي أو الوظيفة الجيدة ضمانة للأمان المالي، ما دامت تكاليف الحياة الأساسية مرتفعة، والمصاريف اليومية في صعود مستمر، يقابلها نمو خجول في الأجور، سواء في القطاع العام أو الخاص، ناهيك عن مشكلة المسرحين عن العمل. هذا الواقع دفع العديد من الأسر إلى استنزاف مدخراتها بالكامل، أو الدخول في دوامة الاستدانة والقروض البنكية لتغطية الفارق بين الدخل ومتطلبات الواقع المعيشي. فاليوم، الخطورة لا تكمن في تراجع القدرة على الشراء الفاخر، بل في غياب ما يمكن أن نسميه بـ"الاحتياطات المالية". لقد أصبحت شريحة واسعة من الطبقة الوسطى تعيش على مسافة "أزمة واحدة" من الانزلاق نحو الطبقات الأدنى؛ ظرف صحي طارئ، أو فقدان مفاجئ لمصدر الدخل، أو موجة تضخم جديدة، كفيلة بإحداث هذا الانكسار أو التغيير في وضعها الاقتصادي. يضاف إلى ذلك التحدي الأكبر المرتبط بسوق العمل وقدرته على استيعاب الأجيال الجديدة ومخرجات التعليم بتنافسية وأجور عادلة تحقق الأمان المعيشي.
إن الخروج من هذا المأزق والاستعداد للمستقبل يتطلب تجاوز النظرة التقليدية التي تقيس قوة الطبقة الوسطى بمعدلات استهلاكها، والتركيز، بدلًا من ذلك، على قدرتها على "الادخار والصمود". فالسلطنة، وهي تسير الآن بخطى طموحة نحو التنويع الاقتصادي، يصبح الاهتمام بهذه الطبقة وعدم تآكلها ركيزة أساسية لنجاح الرؤى المستقبلية. وهذا لن يتأتى إلا بسياسات مالية واجتماعية أكثر توازنًا؛ تبدأ بإعادة هندسة الأجور لتتناسب طرديًا مع التضخم، وتمكين المشاريع الصغيرة والمتوسطة لتكون رافعة حقيقية للدخل، وتحسين جودة الخدمات الحكومية الأساسية لتقليل الأعباء المباشرة عن كاهل المواطن، بالتوازي مع تعزيز ثقافة الوعي المالي الفردي.
ومع تسارع وتيرة الأحداث العالمية، وما يتبعها من تغييرات اقتصادية كبيرة قد تطال هيكلة الاقتصاد في الدول النفطية، فإننا أمام استحقاق مهم؛ فإما أن تُدعم الطبقة الوسطى لتستعيد دورها كقوة إنتاجية ومحرك للتنمية المستدامة، أو يستمر هذا التآكل الصامت الذي تتجاوز أضراره حدود الأرقام والإحصائيات، لتطال الاستقرار الاجتماعي بمفهومه الشامل والعميق.
