الحصان الذي لا يعدو

 

 

د. سعيد الدرمكي

قصة "الحصان الفائز" للكاتب العالمي د. هـ. لورنس ليست بعيدة عن واقعنا الذي نعيشه، بل تبدو وكأنها كُتبت لتصف جانبًا مهمًا من حياة الإنسان المعاصر ومدى صراعه الدائم مع الطموح والنجاح والحظ.

في تلك القصة، يعيش الصبي بول هاجسًا دائمًا بالحصول على المال لإرضاء عائلته التي كانت تحاول الظهور بمظهر الثراء دون أن تمتلك مقوماته الحقيقية. وكانت والدته تعتقد أن ما ينقص العائلة ليس العمل أو الحكمة ولا حتى التخطيط أو الفطانة، بل "الحظ". فيمتطي بول حصانه الخشبي بعنف حتى يصل إلى حالة من الهوس يظن معها أنه قادر على معرفة الحصان الفائز في سباقات الخيل. ومع كل فوز تزداد الأموال، ويزداد معها الطمع والجشع، كالعجلة التي لا تعرف التوقف، حتى ينجح في توقع الفائز في أكبر سباق ويحقق ثروة كبيرة، لكنه يدفع الثمن من صحته وحياته، فينهار بعد أن وصل إلى ما كان يظنه قمة النجاح.

وفي عالمنا اليوم نجد كثيرين يشبهون ذلك الحصان الخشبي. يصبح السباق غاية بحد ذاته، ويغدو السعي وراء الشهرة أو المال أو المكانة متعة تتجاوز الهدف الذي يسعون إليه. بعضهم يقفز إلى ميادين ليست من اختصاصه، معتقدًا أن الحظ يمكن أن يحل محل الخبرة التي هي حصيلة تراكمات وجهود كبيرة، فتتوج بالنجاح حينًا، وتتعلم من الإخفاق حينًا آخر.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، وفي ظل التوسع المفرط الذي يشهده قطاع الوساطة العقارية اليوم، نجد مثلًا شابًا ترك مهنة كان يتقنها -نجارة أو تجارة صغيرة ورثها عن أهله- لينخرط في "صفقات" عقارية يسمع عنها من معارفه، دون خبرة حقيقية بالسوق، ظنًا منه أن من سبقوه نجحوا بالحظ، وأنه قادر على تكرار تجربتهم. يربح في صفقته الأولى، فيقنع نفسه أنه اكتشف موهبة خفية فيه، فيغامر بكل مدخراته في التالية، حتى يجد نفسه عالقًا بأرض لا مشتري لها وديون لا طاقة له بها.

العَدْو الحقيقي والفوز في سباقات الحياة لا يكمنان في سرعة الركض، بل في معرفة الإنسان لنفسه أولًا؛ أن يدرك من يكون، وما يملك من عناصر قوة وضعف، وأن يقرأ المخاطر بعقلانية، ويستثمر الفرص التي تتوافق مع قدراته الحقيقية. فالحياة ليست سباقًا قصيرًا ينتهي عند خط وصول واحد، بل رحلة طويلة مليئة بالتجارب والمنعطفات. وأما الاتكاء على منطقة الراحة أو انتظار الحظ، فمن أكثر الأوهام خداعًا؛ فالحظ، إن حضر مرة، لا يكون إلا كغيمة كاذبة توحي لنا بقرب المطر، لكنها قد تمضي دون أن تسقط قطرة واحدة. ومن يبني مستقبله على انتظارها، سيجد نفسه واقفًا في المكان ذاته، بينما يواصل الآخرون ركب السير.

فكل نجاح مستدام هو ثمرة معرفة وعمل وتراكم خبرات وقدرة على النهوض بعد التعثر. أما الحظ، فقد يفتح بابًا لأمد غير طويل، لكنه لا يستطيع أن يبني بيتًا، ولا أن يحافظ على نجاح لم تؤسسه الكفاءة والجهد.

وربما كانت أكبر مأساة الإنسان أن ينجح في الوصول إلى مكان لم يكن يريد الوصول إليه أصلًا. فليس كل فوز انتصارًا، وليس كل سباق يستحق أن نخوضه. فالحكمة لا تكمن في القدرة على الركض فحسب، بل في معرفة الوجهة التي نستحق أن نبذل أعمارنا للوصول إليها.

الحياة لا تكافئ الأكثر ضجيجًا ولا الأسرع اندفاعًا، فليست العبرة بعلو الصوت ولا بكثرة الحركة، وما كثير من تلك التصرفات إلا "جعجعة بلا طحين"، تخطف الأبصار حينًا ثم لا تلبث أن تتلاشى دون أثر. أما النجاح الحقيقي فينبع من وضوح الهدف، وصدق الغاية، والاستعداد للتعلم والتكيف مع المتغيرات. وعندما تجتمع المعرفة مع العمل، والطموح مع الواقعية، يصبح النجاح نتيجة طبيعية لا ضربة حظ عابرة. ولهذا فإن الرابح الحقيقي ليس من يركض أسرع من الجميع، بل من يعرف الطريق الذي خُلق له، ويسير فيه بثبات، حتى يبلغ غايته.

وما أكثر البشر الذين يستهلكون أعمارهم في سباقات لا تخصهم، أو يطاردون أحلامًا "وردية" ليست أحلامهم، ليكتشفوا بعد فوات الأوان أنهم كانوا أشبه بالحصان الخشبي؛ يركضون كثيرًا دون أن يغادروا مكانهم.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z