الموعد الذي يكشف أخلاقنا

 

 

سلطان بن محمد القاسمي

لا أخفيكم أن هناك مواقف بسيطة تظل عالقة في الذاكرة أكثر من غيرها. قبل أيام، مررت بموقف جعلني أعيد التفكير في أمر اعتدنا عليه كثيرًا، وهو احترام المواعيد. لم يكن ما حدث كبيرًا، لكنه جعلني أقارن بين حرصي على ألا أنتظر أحدًا، وحرصي على ألا أجعل أحدًا ينتظرني.

وقتها أدركت أن القضية ليست دقائق تمر، وإنما شعور يصل إلى الطرف الآخر. فالإنسان، حين يحترم موعده، لا يحترم الساعة فحسب، بل يحترم الشخص الذي ينتظره.

كثير من الناس يظنون أن الالتزام بالمواعيد صفة ترتبط بالنظام أو بطبيعة العمل، بينما أراه، قبل ذلك، خلقًا من أخلاق التعامل مع الآخرين. فعندما يتفق شخصان على موعد، فإن كل واحد منهما يرتب جزءًا من يومه بناءً على ذلك الاتفاق. وربما ألغى موعدًا آخر، أو أجّل عملًا، أو غيّر برنامجًا كان قد خطط له. ولذلك فإن التأخر دون عذر لا يعني ضياع دقائق فحسب، بل قد يعني الاستهانة بوقت شخص منحنا جزءًا من يومه.

ولعل أكثر ما يؤلم في مثل هذه المواقف ليس التأخير نفسه، وإنما غياب الاعتذار. فاعتذار صادق قد يمحو أثر دقائق من الانتظار، أما تجاهل الأمر وكأنه لا يستحق حتى كلمة، فهو ما يترك في النفس شعورًا بعدم التقدير.

والمؤسف أن هذا السلوك أصبح مألوفًا عند البعض. فكم من اجتماع يبدأ متأخرًا؛ لأن الجميع يتوقع أن التأخير أمر طبيعي، وكم من مناسبة يتأخر حضورها دون سبب واضح، حتى أصبح الالتزام بالوقت، عند بعض الناس، أمرًا لافتًا، مع أنه الأصل الذي ينبغي أن يكون.

وأرى أن الإنسان يُعرف من خلال مواقفه الصغيرة قبل مواقفه الكبيرة. فقد لا يتذكر الناس تفاصيل حديث دار بينهم وبينه، لكنهم يتذكرون أنك كنت تحترم مواعيدك، وتفي بما تعد، وتبادر بالاعتذار إذا طرأ ما منعك من الحضور في الوقت المحدد. وهذه التفاصيل البسيطة هي التي تبني الثقة، وتجعل الآخرين يطمئنون إلى التعامل معك.

ولا يعني ذلك أن الإنسان لا يمر بظروف قد تؤخره، فالحياة لا تخلو من المفاجآت، وكلنا معرضون لأمر خارج عن إرادتنا. لكن الفرق كبير بين من يتأخر وهو يشعر بالمسؤولية، فيبادر بإبلاغ من ينتظره والاعتذار له، وبين من يرى أن انتظار الآخرين أمر لا يستحق الاهتمام.

وقد ربّى الإسلام أبناءه على احترام الحقوق، والوفاء بالوعود، وأداء الأمانات؛ لأن هذه الأخلاق هي التي تحفظ العلاقات بين الناس. والموعد، في حقيقته، وعد، فإذا التزم الإنسان به فقد وفّى بما وعد، وإذا حالت الظروف بينه وبين ذلك، فإن حسن الاعتذار يبقى دليلًا على حسن خلقه.

وأحيانًا لا ندرك أن الدقيقة التي نستهين بها قد تكون جزءًا من وقت يحتاجه غيرنا لعمل، أو لزيارة مريض، أو للعودة إلى أسرته، أو لإنجاز أمر ينتظره منذ ساعات. فالوقت، عند كل إنسان، له قيمته، حتى وإن اختلفت ظروفه ومسؤولياته.

إن المجتمعات التي يحترم أفرادها أوقات بعضهم بعضًا لا تكسب الانضباط فقط، بل تكسب الثقة والاحترام أيضًا؛ لأن احترام الوقت ليس التزامًا بالساعة، وإنما التزام بالإنسان، وتقدير لما لديه من مسؤوليات وارتباطات.

وربما لا يحتاج احترام الوقت إلى قوانين صارمة بقدر ما يحتاج إلى وعي بأن لكل إنسان ارتباطاته ومسؤولياته، وأن الدقائق التي نستهين بها قد تكون ذات قيمة كبيرة عند غيرنا. فاحترام الموعد لا يختصر في الحضور في الوقت المحدد، وإنما يبدأ من تقديرنا لحق الآخرين في ألا نجعلهم ينتظرون بلا سبب.

فالوقت هو الشيء الوحيد الذي إذا مضى لا يمكن استعادته، ولذلك كان من أصدق صور الاحترام أن نحافظ على أوقات بعضنا بعضًا. وقد ننسى كثيرًا من المواقف التي تجمعنا بالناس، لكننا لا ننسى من احترم وقتنا، كما لا ننسى من استهان به. ولهذا يبقى احترام الوقت، في جوهره، احترامًا للناس قبل أن يكون احترامًا للساعة.

الأكثر قراءة

z