د. علي موسى الكناني
تشكل المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران في سويسرا محطة سياسية بالغة الأهمية في مسار العلاقات المتوترة بين البلدين، وسط ترقب إقليمي ودولي لما قد تسفر عنه من تفاهمات جديدة تنعكس على ملفات الأمن والاستقرار والاقتصاد في الشرق الأوسط.
ورغم الأجواء الإيجابية التي ترافق جولات الحوار، فإن الطريق نحو اتفاق مستدام لا يزال مليئًا بالتحديات، في ظل تراكم عقود من الخلافات السياسية والأمنية التي جعلت الثقة بين الطرفين واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في أي مسار تفاوضي.
وتبقى أزمة الثقة العقبة الأبرز أمام إنجاز تفاهم طويل الأمد؛ فالعلاقات الأمريكية الإيرانية شهدت خلال العقود الماضية موجات متكررة من التقارب المحدود سرعان ما أعقبها تصعيد سياسي أو اقتصادي، ما عزز حالة الشك المتبادل بشأن الالتزام بأي اتفاقات مستقبلية. وبينما تؤكد واشنطن ضرورة إخضاع الأنشطة النووية الإيرانية لرقابة صارمة، ترى طهران أن العقوبات الاقتصادية تحولت إلى أداة ضغط دائمة تتجاوز حدود الملفات المعلنة.
كما تمثل قضية الضمانات إحدى أكثر النقاط حساسية على طاولة المفاوضات. فإيران تطالب بضمانات تحول دون تكرار سيناريو الانسحاب الأمريكي من الاتفاقات السابقة، في حين تواجه الإدارة الأمريكية قيودًا قانونية وسياسية تجعل تقديم التزامات دائمة أمرًا بالغ الصعوبة، خصوصًا مع تغير الإدارات وتبدل الأولويات السياسية في واشنطن.
ويبرز ملف العقوبات الاقتصادية بوصفه محورًا رئيسًا في أي تفاهم محتمل. فطهران تعتبر أن نجاح الاتفاق مرتبط بتحقيق مكاسب اقتصادية ملموسة من خلال رفع العقوبات أو تخفيفها بشكل فعّال، بينما تصر الولايات المتحدة على ربط أي تخفيف للعقوبات بتنفيذ خطوات إيرانية تدريجية وقابلة للتحقق، ما يخلق فجوة واضحة بين مطالب الطرفين وحدود ما يمكن تقديمه عمليًا.
ولا يمكن عزل المفاوضات عن المشهد الإقليمي المعقد. فالمنطقة تشهد أزمات متداخلة في عدد من الساحات، من العراق وسوريا إلى لبنان واليمن والخليج العربي، وهي ملفات تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية. وأي تصعيد أمني أو عسكري في إحدى هذه الساحات قد يؤثر بشكل مباشر في مسار المفاوضات ويعيد أجواء التوتر إلى الواجهة.
وفي السياق ذاته، يثير أي تقارب أمريكي إيراني تساؤلات لدى عدد من الحلفاء والشركاء الإقليميين الذين يتابعون المفاوضات بحذر، خشية أن يؤدي الاتفاق إلى تغييرات في موازين القوى أو إلى ترتيبات سياسية وأمنية لا تراعي مصالح جميع الأطراف. ولذلك فإن تعزيز فرص نجاح الاتفاق يتطلب تقديم تطمينات واضحة بأن هدفه الأساسي يتمثل في دعم الاستقرار الإقليمي وخفض مستويات التوتر.
أما على الصعيد الداخلي، فتواجه أي تسوية محتملة تحديات سياسية في كلا البلدين. ففي الولايات المتحدة، ما زالت هناك قوى سياسية تعارض تقديم تنازلات لإيران وتفضل استمرار سياسة الضغط. وفي المقابل، تنظر بعض التيارات السياسية داخل إيران إلى التجارب السابقة باعتبارها دليلًا على محدودية الرهان على التفاهمات مع واشنطن.
ورغم هذه العقبات، فإن فرص النجاح لا تزال قائمة إذا ما تمكن الطرفان من اعتماد آليات عملية تعزز الثقة المتبادلة. ويأتي في مقدمة هذه الآليات مبدأ التنفيذ المتبادل والمتدرج، بحيث يقابل كل التزام من أحد الجانبين خطوة مقابلة من الطرف الآخر، الأمر الذي يقلل المخاوف ويمنح الاتفاق قدرًا أكبر من المرونة والاستمرارية.
كما يمكن أن يسهم إنشاء آلية دولية دائمة لمتابعة تنفيذ الاتفاق وتسوية الخلافات الفنية في منع تحول المشكلات المحدودة إلى أزمات سياسية واسعة. ويضاف إلى ذلك أهمية الفصل النسبي بين الملفات المختلفة، بحيث يتم التعامل مع القضايا النووية والأمنية والإقليمية عبر مسارات تفاوضية متوازية بدلًا من ربطها جميعًا بسلة واحدة قد تعرقل أي تقدم.
ويرى مراقبون أن توسيع دائرة الحوار لتشمل قضايا الأمن والاستقرار الإقليمي قد يسهم أيضًا في تهدئة المخاوف لدى الأطراف المعنية ويعزز فرص استدامة أي تفاهم مستقبلي.
وبالنتيجة، لا تقتصر أهمية الاتفاق الأمريكي الإيراني المحتمل على بنوده التقنية أو تفاصيله السياسية، بل تمتد إلى قدرته على فتح مرحلة جديدة من إدارة الخلافات بين الطرفين وتقليل احتمالات التصعيد في منطقة تعد من أكثر مناطق العالم حساسية. وبين تحديات الماضي وفرص المستقبل، يبقى نجاح الاتفاق رهنًا بمدى استعداد واشنطن وطهران لتحويل التفاهمات المؤقتة إلى إطار مستقر قادر على الصمود أمام اختبارات السياسة والأمن خلال السنوات المقبلة.
