علي الرئيسي **
يُمهِّد اتفاق الإطار بين الولايات المتحدة وإيران الطريق لإنهاء موجات العنف والاضطرابات المُدمِّرة في إمدادات الطاقة والتجارة في الخليج العربي. لكن من غير المتوقع أن تعود اقتصادات العالم إلى سابق عهدها قبل بدء الولايات المتحدة وإسرائيل قصف إيران في 28 فبراير 2026؛ إذ أحدثت الحرب تغييرات يصعُب التراجع عنها.
يُؤدِّي التوقُّف شبه التام لإمدادات النفط والغاز من الشرق الأوسط والارتفاع الحاد في الأسعار إلى تغيير في موازين القوى. ويتنافس منتجو الطاقة من الخليج إلى الأمريكيتين للحفاظ على هيمنتهم أو تعزيزها، بينما يكافح المستهلكون لتقليل اعتمادهم على هذه الإمدادات وتأمين احتياجاتهم منها. ونتيجة لذلك، تتغير سوق الطاقة، ويتغير مزيج الطاقة، ويتغير اللاعبون في قطاع الطاقة.
وهشاشة وضع الدول في آسيا وأوروبا وغيرها من المناطق التي تعتمد على الطاقة المستوردة تُسرّع بشكل كبير من البحث عن بدائل. وفي بعض الأماكن، مثل كوريا الجنوبية واليابان، أدّى ذلك إلى زيادة استخدام أنواع الوقود الأكثر تلويثًا للبيئة كالفحم. لكن على المدى البعيد، من المرجح أن تُسرّع هذه الصدمة الطاقية -وهي الثانية خلال أربع سنوات فقط- الانتقال إلى مصادر الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بالإضافة إلى الطاقة النووية.
إن التحسينات في تكنولوجيا بطاريات السيارات الكهربائية وكفاءتها، تجعل التحول إلى الطاقة الكهربائية أكثر جدوى مما كان عليه الحال عندما تسبب الغزو الروسي لأوكرانيا في صدمة عالمية للطاقة عام 2022. على سبيل المثال، أصبحت السيارات الكهربائية في متناول الجميع بشكل متزايد في العديد من الأماكن. وفي أبريل، ولأول مرة، ولّدت طاقة الرياح والطاقة الشمسية كهرباءً على مستوى العالم أكثر من الغاز.
وتشهد العلاقات بين المنتجين تغيرات أيضًا. فقد انسحبت الإمارات من منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك". ولن يتضح أثر هذا الانسحاب بشكل كامل إلا مع انتعاش إنتاج النفط في المنطقة. غير أن ضعف "أوبك" قد يزيد من تقلبات أسواق النفط.
وحسب صحيفة نيويورك تايمز، شجع هذا التطور السعودية على التقارب مع روسيا؛ فقد استضاف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المملكة هذا الشهر كضيف شرف في منتدى اقتصادي عُقد في سانت بطرسبرغ.
روسيا، ثاني أكبر منتج للنفط الخام والغاز بعد الولايات المتحدة، فقد تعززت مكانتها في جوانب أخرى نتيجة للحرب؛ إذ رفعت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤقتًا العقوبات المفروضة على روسيا، مما سمح لموسكو بزيادة أرباحها من صادراتها النفطية في ظل تراجع اقتصادها. على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، تعمل البرازيل وفنزويلا وكولومبيا والأرجنتين وغيانا على تعزيز قدراتها الإنتاجية من النفط، في ظل بحث العالم عن موردين بدلاء.
ومن ناحية أخرى، فإن السعي لتطوير وتنويع شبكات الطاقة لفترة طويلة بعد انتهاء الحرب سيستمر. والصين على وشك أن تستفيد أكثر من غيرها من الطفرة المتوقعة في مجال الطاقة المتجددة؛ فهي متقدمة بمراحل على بقية دول العالم في إنتاج توربينات الرياح، وكابلات الجهد العالي، والمحوِّلات، والألواح الشمسية، والبطاريات، وبرامج إدارة تدفقات الطاقة، وغيرها؛ مما سيعزز من دور الصين المتزايد في ضمان إمدادات طاقة موثوقة للدول الأخرى، ويعزز من نفوذها الاستراتيجي وأهميتها.
من غير الواضح حتى الان ما إذا كان بإمكان حركة الملاحة البحرية أن تعود إلى طبيعتها عبر مضيق هرمز، الممر البحري الوحيد لنقل النفط والغاز الطبيعي وغيرها من البضائع من الخليج العربي. وقد سعت إيران جاهدةً لفرض رسوم على السفن التي تعبر هذا الممر المائي الضيق، رغم أن هذه الخطة قد تُخالف الاتفاقيات الدولية. وحتى في حال عدم تقنين هذه الرسوم، فقد أظهرت إيران قدرتها على تعطيل التجارة متى ما شاءت، مما يزيد من المخاطر والتكاليف.
ويزعم مراقبون بأن المضيق لن يعود أبدًا إلى ضمان حرية المرور التي اعتدنا عليها وبالمثل، اهتزت الثقة في سلام المنطقة واستقرارها وازدهارها المتنامي. وأضافوا: "قد تتأثر ديناميكية اقتصادات الخليج سلبًا بالهشاشة التي أبدتها"، وهذا "يزيد من نفوذ إيران في المنطقة".
وخلال الحرب أطلقت إيران طائرات مسيّرة وصواريخ على الكويت وقطر والسعودية والإمارات ودول مجاورة أخرى، وذلك نتيجة لوجود قواعد أمريكية في هذه المناطق، وقد لحقت أضرار جسيمة بحقول الغاز الطبيعي في قطر؛ حيث تأثرت 17% من طاقتها التصديرية للغاز الطبيعي المسال. وفي السعودية، تعرّض مجمع بتروكيماوي للقصف.
أما بالنسبة للإمارات، التي تُسوِّق نفسها كمركز مالي وتجاري عالمي ووجهة سياحية، فإنّ الهجمات على فنادقها الفخمة ومجمعات البيانات ومنشأتها النووية قد تُنَفّر الزوار والمستثمرين. ورغم الصورة القاتمة التي يرسمها بعض المراقبين الغربيين والعرب لمآلات الحرب على دول الخليج، إلّا أنني أعتقد أنه لو استتب السلام فإن دول المنطقة بما عُرف عنها من ديناميكية، قادرة على استعادة ثقة العالم باقتصاداتها. وهذا ما حصل بعد الأزمات السابقة.
أما بالنسبة للولايات المتحدة، فقد أدى قرار ترامب بشن حرب على إيران، إلى جانب سياساته الفوضوية، إلى تقويض الثقة في رغبة واشنطن وقدرتها على الحفاظ على النظام والتجارة العالميين. وأدّت الحرب -نتيجةً لتوقف امدادات الطاقة من منطقة الخليج- إلى ارتفاع في أسعار النفط ومشتقاته وأسعار الغاز، إضافة إلى ارتفاع ونقص في الأسمدة؛ مما تسبب في موجة تضخمية جديدة. قبل الحرب كانت التوقعات تشير إلى نمو صحي في الاقتصاد العالمي، إلّا أن بعد أشهر من الحرب اضطر كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي الى خفض توقعاتهم لنمو الاقتصاد العالمي، وكانت الدول الهشة هي الأكثر تضررًا.
بالنسبة للسياسة النقدية قبل الحرب كان العالم سيشهد سياسة نقدية توسعية؛ أي انخفاض في أسعار الفائدة، ولكن نتيجة للتضخم المرتفع، بات من الصعب على البنوك المركزية المضي قدمًا في خفض أسعار الفائدة، بل من المتوقع ارتفاعها، مما سيزيد من ارتفاع كلفة خدمة الدين على الدول المَدِينة.
** باحث في قضايا الاقتصاد والتنمية
