الأقدار غير المكتوبة

 

 

بدر بن خميس الظفري

@waladjameel

 

في الفيلم الأمريكي Mr. Destiny، "رجل القدر"، يقف لاري بوروز في عيد ميلاده الخامس والثلاثين مثقلًا بحسرة يحملها منذ زمن بعيد. كان يؤمن أن حياته كلها انحرفت بسبب ضربة بيسبول أخطأها قبل عشرين عامًا. ومنذ ذلك اليوم، وهو يحمل تلك اللحظة الصغيرة كما يحمل السجين قيدًا ثقيلًا، يُحمِّلها نتيجة كل ما آلت إليه حياته الآن؛ فوظيفته وظيفة عادية، ووضعه المادي ليس كما كان يتخيل.

وفي ليلة ماطرة، تأخذ القصة منعطفًا غريبًا. يلجأ لاري إلى حانة قريبة ويلتقي رجلًا غامضًا، "رجل القدر"، يمنحه فرصة استثنائية؛ فرصة العودة إلى تلك اللحظة الفاصلة وتغيير مسار القدر. يستيقظ في صباح اليوم التالي ليجد نفسه في عالم آخر، في عالم أصابت فيه ضربة البيسبول هدفها، لينتقل إلى حياة أخرى. أصبح ثريًا، ورئيسًا تنفيذيًا لشركة عملاقة، ومتزوجًا من امرأة فاتنة، ويعيش في قصر تحيط به مظاهر النفوذ والرفاه.

في البداية يبدو الأمر أشبه بتحقق أمنية جميلة، غير أن الأحداث السيئة تبدأ بالظهور سريعًا. فالرجل في حياته الثانية لم يعد ذلك الإنسان الذي يعرفه في حياته الأولى. القسوة تسكن ملامحه، والمؤامرات تحيط به، والثراء يملأ بيته ويترك قلبه موحشًا. أما إيلين، زوجته التي أحبها في حياته الأولى، فقد أصبحت زوجة لرجل آخر، وصار أقرب أصدقائه ينظر إليه بخوف وارتياب. ومع كل يوم يقضيه في تلك الحياة الجديدة، كانت الصورة التي عبدها عشرين عامًا تفقد شيئًا من بريقها، حتى ظهرت حقيقتها كاملة أمامه.

هنا يغادر الفيلم حدود الحكاية الشيقة، ليلامس سؤالًا فلسفيًّا إنسانيًّا قديمًا: كيف يستطيع الإنسان أن يجزم بأن الحياة التي لم يعشها كانت أفضل من حياته؟

تلك هي المعضلة التي يقع فيها كثير من الناس. يقف أحدهم أمام قرار قديم أو فرصة ضائعة أو علاقة انتهت، ثم يقضي سنوات طويلة في بناء حياة بديلة داخل خياله. هناك، في ذلك العالم المتخيل، تسير الأمور في نظره دائمًا على نحو مثالي؛ فالوظيفة ناجحة، والزواج سعيد، والأرزاق تتدفق دون حساب. ومع مرور الوقت تتحول تلك الحياة الوهمية المتخيَّلة إلى مرآة قاسية يقارن بها واقعه كل يوم.

غير أن الإنسان حين يفعل ذلك يصدر حكمًا على حياته بمعرفة لا يملكها؛ فهو يرى الطريق الذي سار فيه بكل ما فيه من عثرات وخسائر، بينما ينظر إلى الطريق الآخر مجردًا من أشواكه ومنعطفاته ومفاجآته. ولهذا يبدو الماضي البديل أكثر جمالًا مما كان سيبدو لو تحول إلى واقع فعلي.

ومن هنا تلتقي قصة الفيلم بمعنى قرآني بالغ العمق في قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا﴾ (الحديد: 22)؛ فالآية ترد الإنسان إلى حقيقة يغفل عنها كثيرًا، وهي أن نظرته إلى الأحداث محكومة بزاوية محدودة من المشهد، بينما تتجاوز الحكمة الإلهية حدود اللحظة الواحدة والنتيجة الواحدة.

وقد تناول سيد قطب هذا المعنى عند تفسيره هذه الآية في كتابه "في ظلال القرآن"، حين تحدث عن ضيق الإدراك الإنساني أمام شمول العلم الإلهي؛ فالإنسان يعيش داخل الزمن، ينتقل من لحظة إلى أخرى، ويرى من القصة صفحة واحدة في كل مرة، أما اللوحة الكاملة فتبقى محجوبة عنه.

ومن هذه الرؤية تتجلى حكمة قوله تعالى: ﴿لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ (الحديد: 23)؛ فالسؤال ليس عن مقدار ما خسرناه فحسب، وإنما عن مقدار ما نجهله أيضًا. كم طريقًا تمنيناه كان يخفي في نهايته ألمًا أكبر؟ وكم بابًا أُغلق في وجوهنا، بينما كان يقود إلى هاوية لم نرها؟

إنَّ كلمة "لو" تبدو بريئة في ظاهرها، لكنها كثيرًا ما تتحول إلى مصنع للأوهام؛ فالعقل يمارس خدعة بارعة حين يعيد رسم الماضي، فيحذف من الاحتمالات البديلة كل ما فيها من عثرات، ويتركها متألقة في الذاكرة كأنها نسخة كاملة من السعادة. وهكذا ينشأ الحنين إلى حياة لم توجد قط إلا في الخيال.

ولهذا يعود لاري في نهاية الفيلم متوسلًا أن يستعيد حياته الأولى. يعود إلى زوجته البسيطة، وبيته العادي، وتفاصيله اليومية التي كان يعدها يومًا علامات على الفشل. عندها فقط تهاوت الصورة التي ظل يعبدها عشرين عامًا.

وهنا نسطر حقيقة مفادها أن الأبواب التي أُوصدت في وجهنا ذات يوم لا تخفي وراءها بالضرورة فردوسًا مفقودًا، وأن الطرق التي لم يُقدَّر لنا أن نسلكها قد تحمل من الأسى ما نحمد الله على أننا لم نبلغه.

الأكثر قراءة

z